لأهمية هذا المنعطف في مسيرتنا مع (حقوقهم في الإسلام) نتواصل معه في عدد من الحلقات ربما تكون زيادة على ما حصلت عليه أو تحصل عليه الجوانب الأخرى من هذا الموضوع العريض «حقوقهم في الإسلام»، وفي هذه الحلقة نتناول ما كان حرياً بنا أن نتناوله في الحلقة الأولى وهو الحديث عن معنى الحرية «لغة».
تطلق الحرية في اللغة على الخلاص من العبودية فأنا حر، أي أنني غير مسترق ولا مملوك وكذلك تطلق على الخلاص من القيد، وهذه اللفظة واسعة المعاني، فمن ذلك: حرر الرقبة، أي اعتقها، قال تعالى: «ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة» أي اعتاقها، ويلاحظ في الكفارات هذه الدعوة إلى التحرير، مما يؤكد حرص الإسلام على هذه الحرية، ومنها حرر الولد:
أفرزه لطاعة الله وخدمة المسجد، وهي الخدمة المثلى التي ليس فيها عبودية إذلال، وإنما هي عزة لأنها عبودية لله وخدمة بيته، ومن الشواهد على ذلك ما جاء على لسان أم مريم عندما حملت بها قالت «رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً» يقول المفسرون «أي معتقاً لخدمته لا يشغله شيء عن ذلك حتى ان كان الشيء خدمة الوالدين أو الأسرة. وحرر الكتاب أو المقال وغيره: أي قومه وحسنه وخلصه بإقامة حروفه وإصلاح سقطه وحرر الوزن: ضبطه بالتدقيق ومن ذلك قول الشاعر:
كأن خديه ديناران قد قسما
حررهما صيرفي الحسن واحتاطا
وحرر المعنى: استخلصه مجرداً، وكل ما يتعلق بالكتابة يسمى تحريراً، وفي ذلك قولنا: مدير التحرير ورئيس التحرير والمحررون بالنسبة للعاملين في الصحف، والحر من كل شيء: أحسنه وأطيبه وأعتقه، فالمرأة الحرة هي الكريمة الأصل، الشريفة العفيفة؛ في بيعة النساء قالت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان بن حرب وأم معاوية .
وهي من كريمات العرب وحرائر نسائها، قالت عندما سمعت «ولا يسرقن ولا يزنين..» الآية، وهل تسرق أو تزني الحرة؟ وفي الأمثال العربية: «لا تأكل الحرية من ثديها».
ونخلص إلى أن الحرية بهذا المعنى السامي والواسع قررها الإسلام وشدد عليها، ومع الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله ـ نمضي في هذه الحلقة مع تصنيف الحرية من وجهة النظر الإسلامي وأول ما ينبغي أن نقف عنده أن العبودية لا تكون إلا لله رب العالمين «إياك نعبد وإياك نستعين» نتلوها في صلواتنا المكتوبة منها والنفل.
ولشرف هذه العبودية للخالق سبحانه وتعالى يخاطب أنبياءه ورسله المصطفين الأخيار على نبينا وعليهم الصلاة والسلام بـ «عبدنا» للفرد منهم وبـ «عبادنا» للمجموع، قال تعالى: «واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه» سورة ص: 41 وفي السورة نفسها «واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار» سورة ص: 45.
ولخاتم أنبيائه وسيد رسله صلى الله عليه وسلم يجيء في مفتتح سورة الإسراء قوله تعالى «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى..» الإسراء: 1.
هذه هي العبودية السليمة التي إذا خضع لها الإنسان إيماناً قوياً واعتقاداً سوياً فلن يكون بعدها عبداً لبشر مثله، وكذلك الأمم والدول التي تسلم وجهها لله لا يمكن أن تكون ذليلة أو خانعة يستعبدها أو يستبد عليها الآخرون أو ينتهكون حرمة حريتها الممنوحة لها من إسلامها، ولا ترضى أن يملي عليها الأقوياء شروطهم بحسبان أنهم الأعز.
وهم ـ أعني هؤلاء المتقاعسين ـ الأذل لأن «العزة لله ولرسوله وللمؤمنين» يقول الدكتور السباعي فإذا اعتدت أمة على أخرى ـ كما حادث الآن على أمتنا العربية والإسلامية في واقعنا المر ـ فسلبتها حريتها كان ذلك عدواناً لا يدانيه عدوان، وظلماً يوجب على الأمة المعتدى على حريتها أن تهب لدفع هذا الظلم أو العدوان بكل ما تملك من أرواح وأموال، بكل فئاتها القادرة على القتال.
قال تعالى: «أذن للذين يقاتَلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير» الحج: 39 أي إن الإذن في القتال ممنوح من الله للأمة التي قوتلت واعتدي عليها بأن تقاتل دفاعاً عن حقها، ولا يعتقد أحد أن الخطاب خاص بذلك القتال في صدر الإسلام، كلا.
ولكنه لعموم الأمم الإسلامية في كل زمان وكل مكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما عليها ولا عذر في ذلك، وأن الأمة التي تنهض لهذا الدفاع المشروع يعدها الله بنصر من عنده فهو سبحانه القادر على ذلك شرط أن ينصروا الله بالاستجابة لأوامره دون تخاذل، وأمره في قوله تعالى: «انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم» التوبة:
41، وقال تعالى: «وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان» وهي دعوة من الله للأمة المسلمة الحرة المتدبرة لقرآنها المدركة تماماً لواجباتها وحقوقها، ومن أوجب هذه الواجبات نجدة المستضعفين المعتدى عليهم وعلى حريتهم وتصريف شؤونهم وفرض السيطرة عليهم والهيمنة على مقدراتهم ولو كان ذلك على حساب تهديم بناهم التحتية وتقتيل الأطفال والنساء والعجزة ـ كما شاهدناه بأعيننا أما أن يقول قائل:
إن الإسلام فرض بحد السيوف وشرع القتال فيه لفرض السيطرة على الشعوب فهذا هراء تكذبه الشواهد القرآنية وهي القول الصدق من رب العالمين. قال تعالى: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» البقرة: 190 وقوله تعالى:
«وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله» البقرة 193، وقوله تعالى: «وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة» التوبة: 36. حسبنا التدبر في هذه الشواهد القرآنية لنخرج بيقين لا يشوبه أدنى حد من الشك أن القتال مشروع في الإسلام من أجل «الدفاع» عن حرية الأمة في أرضها وفي عقيدتها وليس للعدوان على حرية الآخرين.