يقول الله تعالى (في الحديث القدسي): «من شغلته قراءة القرآن عن دعائي ومسألتي؛ أعطيته ثواب الشاكرين».فالقرآن هو الكلام المنزل من عند الله عز وجل، المتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سورة به وهو روح الهداية والرحمة في هذه الدنيا فهو حبل الله المتين وصراطه المستقيم.
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن مأدبة الله في الأرض فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، اتلوه فإن الله يأجركم علي تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما واني لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف».
فالقرآن الكريم هو الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور ففي قوله تعالى: «كتاب أنزلناه إليك». أي هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، على أشرف رسول بعثه الله في الأرض إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم «لتخرج الناس من الظلمات إلى النور» .
أي إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب لتخرج الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد، «بإذن ربهم» أي هو الهادي لمن قدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن أمره يهديهم «إلى صراط العزيز» أي العزيز الذين لا يمانع ولا يغالب، بل هو القاهر لكل ما سواه، «الحميد» أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وأمره ونهيه الصادق في خبره.
وقد جمع الله فيه من أصول الخير، ومناهج الهدى، ما يصلح الحياة، ويرسي في الأرض دعائم الطمأنينة والسلام «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» الإسراء9 فتعلم القرآن في ذاته ربح يفضل كل ربح مادي، وكسب لا يعادله كسب، فهو علم يهدي إلى العمل، وتوجيه إلى أقوم طريق.
والقرآن الكريم يحتاج منا إلى التدبر والتفكر فيه وفي آياته العظيمة وفي معرفة كيفية قراءته كما كان يقرأه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لذلك فطريقة قراءته تحتاج إلى معلم.
ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبهُ.
وعن ابن عمر عن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) قال: ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر، ولا ينالهم الحساب:
رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله، وأمّ به قوماً هم راضون عنه، وداع يدعو إلى الصلوات ابتغاء وجه الله، وعبد أحسن فيما بينه وبين الله وبين مواليه.
وعن أبي ذر: أوصني يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«عليك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله، قلت يا رسول الله: زدني فقال: عليك بتلاوة القرآن فإنه نورٌ لك في الأرض، وذخر لك في السماء».
فلا ننسى أنه بصائر ورحمة فعند الاستماع والإنصات له أي باهتمام وتدبر ندخل في رحمة رب العالمين وفي قوله تعالي: «هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ». الأعراف 203-204
ذلك رحمة رب العالمين لنا ونور وبصيرة لقلوبنا فإن للقرآن الكريم شهقة عند استماع أي آية تمس القلب إذا كان هناك تأثير إيجابي عليه أو سلبي أي عندما استمع آية حركت فيه شهقة الشوق لأنه ارتاح إليها؛ وإذا كان أحس بذنب فيشهق خوفاً وحزناً علي نفسه فتسمي شهقة خشية.
ويجب علينا التعامل معه بتلاوته وتدبره وبالعمل به يجعلنا نتقرب إلى الله عز وجل بذكره تعالي «إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُور لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ» فاطر29-30. أي بعد تلاوة كتابه الكريم وإقامة الصلاة والإنفاق سراً وعلانية إن كان صدقة أو زكاة مال فكل ذلك التجارة التي لا تبور ليوفيهم أجورهم بالمغفرة ويزيدهم من فضله فإنه هو الشكور بالعطاء ودخول الجنة من أجل ذلك ختم الآية بأنه تعالى غفور شكور.
وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول هل تعرفني؟ فيقول ما أعرفك، فيقول أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، أسهرتك ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، فاللهم اجعلنا من أهل القرآن الكريم.