كان الله ولا شيء معه، فخلق الخلق وهو مستغن بذاته عنهم، وعرفهم ببعض أسمائه الحسنى وصفاته العلا، فعرفوه بها، وشهدوا له بالأحادية والربوبية بلسان الحال والمقال، وأسلموا له طوعاً وكرها، فكان كل مخلوق آية تدل عليه، وتعبر عن كمال ذاته وصفاته وعدله المطلق في جميع أفعاله وقد خص الله نفسه - جل شأنه - بالأسماء الحسنى، فعلمنا منها ما شاء أن يعلمنا، واستأثر بما شاء أن يستأثر بعلمه دون خلقه لأمر لايعلمه إلا هو وأمرنا أن ندعوه بكل أسمائه الحسنى، ما علمناه منها، وما لم نعلمه، فقال جل شأنه في سورة الأعراف: ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها).
وقال تبارك وتعالى في سورة الإسراء : ( قل أدعو الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى).
وقد روى أحمد في مسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه :«اللهم، إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ـ أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، وشفاء صدري، وذهاب همي وغمي». فهذا الحديث يدل على أن لله أسماء كثيرة لا يحصيها إلا هو جل شأنه، وقد عرفنا من القرآن والسنة شيئاً منها، وهي في جملتها ترد إلى تسعة وتسعين اسماً كلها كمال وجمال وجلال .
روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة».
أي: من عرف قدرها، وتتبع آثارها، وتعرف على اسرارها، ودعا الله بها في سره وعلانيته - دخل الجنة إن شاء الله تعالى، أي : كان ذلك سبباً في دخوله الجنة، لأن دخول الجنة برحمة الله عز وجل لا بالعمل، وإنما العمل يقرب العبد من رحمة الله ويجعله أهلاً لها.
وفى أسماء الله الحسنى إشراقات روحية، لا يتعرض لها إلا من دعا الله بها، وتشرب قلبه حبها، وأخذ حظه منها، وجعلها قدوته في أقواله وأفعاله وجميع أحواله، حتى يكون بها عبداً ربانياً يفر بها من الكفر إلى الإسلام، ومن المعصية إلى الطاعة، ويفر بها منه إليه، فيقول بقلبه ولسانه ما كان يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم في دعائه: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».