(حمد شاوي) فنان تشكيلي حروفي عراقي، تحيلنا أعماله إلى نوع من الدهشة بما تحمل من قدرات متفوقة في الخط والرسم والتشكيل، تصل إلى حد الإعجاز الذي رأيناه في أعمال الفنانين والخطاطين العرب والمسلمين الأوائل، يوم كان الخط العربي والزخرفة والعمارة والفنون التطبيقية، المجال الرحب الواسع والوحيد لهؤلاء لتقديم إبداعاتهم وابتكاراتهم الفنية الرفيعة في تشكيلاتها وتعبيراتها الروحانية العميقة.
فالفنان شاوي، يبني معمار لوحته من المساحات والعناصر والألوان، ثم يقوم بالكتابة فوقها بألوان وأحجام تتناسب وتتوافق مع شكل العنصر ومساحته وألوانه، وأحياناً كثيرة، يسحب درجة لون الخط من درجة لون مساحة الأرضيّة، تأكيداً لتوافقها وانسجامها، وأحياناً يُدخل مساحة على أخرى، بغية تمتين ربط العناصر بعضها بالبعض الآخر. وقد يلجأ إلى تدريج المساحة الواحدة، لخلق إيقاع هادئ ومعبّر، وهذا الأمر يشمل الخط والمساحة واللون في آنٍ معاً.
يستخدم الفنان حمد شاوي في إنجاز لوحاته التشخيصيّة الحروفيّة، درجات الألوان كافة: الحارة والباردة، الفاتحة والغامقة، الكامدة والمضاءة، إضافة إلى الذهبي والفضي، ويطرز غالبية مساحات لوحته، بتشكيلات الحروف التي تقدم دلالات مباشرة، بما تنضوي عليه من معانٍ، إضافة إلى المشخصات التي تشكلها، كالقباب والمآذن وغيرها.
ولتحقيق سطوة التشكيلات الحروفيّة المنضدة ضمن هذه الأشكال الواقعيّة المرسومة بدقة معماريّة متقنة، وبنسب صحيحة، وتحريك معمار اللوحة، وتخفيف ثقله، يلجأ الفنان حمد الشاوي إلى وسيلتين اثنتين: الأولى قيامه بخلق حالة من التباين في ألوان المساحات وأطرها (غامق، فاتح، حار، بارد) ومن ثم اعتماد صيغة تهشير النصوص والكلمات، بغية منحها خفة ورشاقة وشيئاً من الشفافية.
أما الوسيلة الثانيّة، فيقوم فيها الفنان شاوي بترك بعض عناصر اللوحة (قباب، مآذن) بلون واحد (ذهبي أو فضي) ما يخلق حالة من الحوار الهادئ والمنسجم، بين المساحات اللونيّة والعناصر الشكليّة الداخلة في نسيجها. هذه التوزيعات المتقنة للألوان والأشكال والعناصر، تضع المتلقي في مواجهة لوحة حروفيّة زخرفيّة من نوع جديد، تحمل الكثير من التفرد والتمايز.
والكثير من الإتقان الصنعوي المدهش، خاصة لجهة رصف الخطوط المنفذة وفق النظم والقواعد والطرز الكلاسيكيّة، ضمن مساحات لونيّة مدروسة الدرجات والإيقاع، والرسم الواقعي الدقيق والمتقن.
هذه الخصائص والمقومات التشكيلية مجتمعة، تقدم حمد شاوي خطاطاً، ورساماً، ومُشكلاً من الطراز الرفيع، يغرد خارج سرب الحروفيّة السائدة في الحيوات التشكيلية العربية والإسلاميّة.
د. محمود شاهين

