لقد اختار الله سبحانه وتعالى شهر رمضان من أشهر السنة، جعل أوله رحمة وأوسطة مغفرة وآخره عتق من النار، فيه أنزل القرآن الكريم وفيه ليلة خير من ألف شهر وهي ليلة القدر.

فيه وقعت المعجزات ورفعت فيه رايات الحق وانتصرت فيه جيوش المسلمين على غلول المشركين فكان يوم الفرقان يوم غزوة بدر الكبرى فيه تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين قال الله تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) وصوم رمضان ليس المقصود من الامتناع عن الطعام والشراب والشهوات بل هو عبادة تلتقي في هدفها مع أهداف القرآن الكريم في تربية العقول والأرواح وتنظيم نواحي الحياة، فهو الشهر الذي يوحد بين المسلمين في أوقات الطعام والشراب، وتتوحد فيه الرغبة في الإنابة والرجوع إلى الله ويربط ألسنتهم بالتسبيح والذكر والدعاء ويعفها عن الإيذاء والتجريح ويملأ القلوب بمحبة الخير لعباد الله.

ويغرس في النفوس قوة التحمل والصبر ونحن في العشر الأوائل من هذا الشهر الكريم نتذكر خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم عن شهر رمضان عندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم «أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه.

وهو شهر المواساة وشهر يزداد فيه رزق المؤمن ومن فطر صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء وهو شهر أوله رحمه، وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.

ولقد قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، فإضافة الصوم لله عز وجل هي إضافة تشريف وتكريم وفي ذلك بيان لعظمة صيام شهر رمضان لكثرة الثواب والجزاء الذي يحصل عليه المسلم من الله عز وجل لأن عطاء الله ليس له حدود وهو عطاء دائم ولذا نسب الله سبحانه وتعالى الصيام إلى ذاته العلية وجعل للصائم فرحتين يفرح بهما فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه.

والصوم لم يشرع لتعذيب النفس وإنما شرعه الله عز وجل لتقوية الإرادة وتصفية للنفوس وإقراراً بالنعمة وتربية لمشاعر الرحمة وإحساسا بالمحرومين وفي الصيام تقوى صلة العبد بربه، فيقضي نهاره في نشاط وعمل ويقضي ليلة في القيام وقراءة القرآن ويصوم لسانه عن اللغو والرفث وتصوم آذانه عن سماع الباطل والفحش من الكلام، وتصوم عيناه عن الحرام ومواطن الفتنه، وتصوم يده عن الأذى والسوء.

فرمضان هو شهر البركة والخيرات وشهر الشكر على النعمة، شهر الجود والإحسان والحلم والصبر والسكينة والوقار وتهذيب للغنى ومواساة للمحرومين وكما هو معروف ان رمضان شهر القرآن وان أعظم مطلب في هذا الشهر هو إصلاح القلوب وأعظم ما يصلح القلوب هو القرآن الكريم فالواجب علينا جميعاً ان ننتهز وجود هذا الشهر الكريم.

ونقرأ القرآن الكريم ونتدبر معانيه ونعمل بما فيه، فقد روى ان جبريل عليه السلام كان يلتقي النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة يدارسه القرآن، رواه البخاري ومسلم.

وكان الصحابة والتابعين يكثرون من تلاوة القرآن في شهر رمضان، وروى ان عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يختم القرآن الكريم كل ليلة.

فالواجب علينا ان نقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ونكثر من قراءة القرآن والدعاء والتضرع إلى الله عز وجل بأن يغفر لنا ذنوبنا ويعفو عن سيئاتنا فالقرآن الكريم يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» فعلينا ان نجد ونجتهد في قيام الليل ونصلي صلاة القيام ونؤديها على خير وجه ولا تشغلنا الحياة الدنيا ونترك صلاة القيام والتضرع إلى الله.

وشهر رمضان هو شهر العطاء والجود والسخاء والتصدق على المحتاجين فأكثروا من الصدقة في رمضان فإن أفضل الصدقة تكون في رمضان.

فإفطار صائم في رمضان وإطعام جائع له أجر كبير فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال «من أفطر صائماً كان له مثل أجر دون ان ينقص من أجر الصائم شيئا» وها هو الضيف العزيز علينا جميعاً قضى معنا النصف الأول من الشهر العظيم ومرت أيامه الأولى سريعاً، فماذا قدمنا لأنفسنا في هذه الأيام وهل الصيام غير من سلوكنا وتصرفاتنا أم الحال على ما هو عليه؟

وحتى يكون صيامنا مقبولا عند الله تعالى يجب تتجلى فينا أخلاق حسن المعاملة، فالذي يصوم وتسوء معاملته فلا ينفعه صيامه لقول الرسول صلى الله عليه وسلم الدين المعاملة، فالواجب علينا ان تعم السماحة في كل المعاملات بيننا وتزيد المودة والرحمة والعطف والإحسان بين الأهل والجيران.

وعلينا جميعا أن نتحلى بالصدق والأمانة ونكون صادقين مع أنفسنا أولاً ثم مع الآخرين فهيا ننتهز الفرصة في وجود هذا الضيف العزيز ونتسابق في عمل الخيرات والطاعات فهو شهر أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.

راية خميس المحرزي