كانت أزمة الرسوم الدانماركية المسيئة للرسول محطة أخرى على محطات التوتر في علاقات العالم الإسلامي مع الغرب. ورغم أن أي مسلم كان يمكن له أن يستوعب إندلاع ما يمكن لنا أن نسميه بالإنتفاضة ضد الرسوم الكارتونية المسيئة للرسول، إلا أن الأمر كان يبدو غريبا للشخص الغربي وهو ما يثير التساؤل حول أبعاد هذا التباين في النظر للمسألة؟
وما اذا كانت هذه الإنتفاضة تعبر عن إحتجاج على الرسوم أم أنها تعبير عن أزمة أشمل وأعمق هى أزمة ثقة تحكم إطار العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب؟ لن نكون مغالين اذا أشرنا إلى أن الأزمة تعبر عن الجانبين معا.
ففضلا عن أن الأزمة يمكن أن تكون عرضا لأزمة أخرى، إلا أن الحدث الذي قامت من أجله إنما يمثل في حد ذاته سببا كافيا للتوتر على خلفية وقوعه، أو حسبما وصفت وزيرة العدل الألمانية السابقة هيلغا دويبلر في حكومة شرويدر فإن الرسوم تعد القشة التي قصمت ظهر البعير. وهو الأمر الذي يعبر في رأينا عن أزمة ثقة تحكم العلاقات بين الجانبين.
وفي مجال استعادة الحديث عن الرسوم ذاتها فإن خطورتها على صعيد المسلم أنها تمس النبي صلي الله عليه وسلم بشكل مباشر وصريح مع ما له من مكانة محورية في قلب وعقل كل المسلمين يستوي في ذلك من يحلو للبعض أن يطلق عليهم متشددين وبين غير المتشددين.
وقد يصل الأمر إلى أن تكون هبة المسلم غير الملتزم أشد في بعض الأحيان في إطارالتماهي الذي يقوم بالنسبة لحالات محددة بين الإسلام كدين والإسلام كهوية.
فقد كانت الرسوم تتضمن إساءة واضحة وسخرية ساذجة بالرسوم رغم إشارة البعض إلى أنها جاءت خالية من أي قيمة فنية أو إعلامية أو ثقافية أو سياسية ما عدا ترسيخ تلك الصورة النمطية المتوارثة عن الإسلام ما دعا البعض إلى القول أن الغرض من نشر الرسوم إنما هو استفزاز مشاعر المسلمين ومحاولة جرهم إلى ردود فعل متشنجة لإظهارهم بأنهم متعصبون ومعادون لحرية الرأى والمعتقد.
من ناحية ثانية فإن المشكلة التي تعكسها الرسوم إنما تتمثل في أنها تتجاوز الإساءة للرسول رغم أن هذه الإساءة في حد ذاتها مرفوضة إلا أنها على صعيد تعاملنا مع الواقع المعاصر إنما تساهم في تعزيز الصور النمطية القائمة في الغرب عن الإسلام والمسلمين.
ومن هنا يمكن إستيعاب أن مضمون التحركات ضد الرسوم لم يكن بفعل طبيعتها فقط وإنما من شعور لدى المسلمين بأنهم يتعرضون لهجمة حضارية وثقافية وإزدواجية في المعايير يمارسها الغرب تجاه مقدساتهم وحضارتهم وحرية تعبيرهم.
وعلى ذلك فقد كانت الأزمة تعكس في التحليل النهائي عدم تفهم صحيح من قبل الغرب للمسلمين والحكم عليهم من خلال أحكام نمطية مسبقة لم يجر تمحيصها بدقة. لقد تم فهم الأزمة لدى قطاعات غير محدودة في العالم الإسلامي على أنها تمثل تواصلا لحملة معادية ذات بعد أخلاقي وسياسي يستبدل الإسلام والعرب بالشيوعية التي أضحت في ذمة التاريخ.
ولعل ذلك هو الذي دفع البعض عن حق في إطار تناول الأزمة إلى الإشارة إلى أن خريطة ردود الفعل بشأنها خريطة بالغة التعقيد، ترتبط بعوامل عديدة منها السياسي والإقتصادي ومنها السيكولوجي ومنها الحضاري والثقافي.
وهو ما يؤكد ما نود الإشارة اليه من أن الإنتفاضة ضد الرسوم إنما تعكس نوعا من الإحتقان لدى الشعوب العربية والإسلامية وجد طريقه إلى التنفيس عنه عبر الإحتجاج على نشر الرسوم المسيئة للرسول وإنها تتجاوز الإعتبارات الدينية وتمتد إلى عوامل أخرى عديدة.
مصطفى عبد الرازق
