من أهم مميزات الدين الإسلامي أنه لم يغفل قضية لم يعالجها لذا فهو دين صالح لكل زمان ومكان، ومن أهم القضايا الملحة التي لم يغفلها الإسلام هي إدارة الوقت وقتل الفراغ والتي أصبحت علماً قائماً بذاته في جامعات أوروبا وأميركا وفى بلادنا نجد أن إهدار الوقت وعدم الاستفادة به هو الظاهرة الطاغية على سلوك مجتمعاتنا، باستثناء القلة الذين يعرفون كيفية الاستفادة بكل جزء من وقتهم. فما هو رأى الإسلام في كيفية إدارة الوقت وتوجيه الطاقات ؟

يقول د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق: إن إهدار الوقت والبطالة والفراغ كلها إفرازات لعدم وجود فرص عمل تكفي الشباب وكذلك إحجام الكثير من الناس عن العمل الخاص والمفروض للشاب أن يعمل في أي عمل يتاح له حتى ولو كان بسيطاً.

وللفراغ آثار نفسية وسلبية على الشاب فمن الناحية النفسية فشعوره أنه لا عمل له يؤدى أن يقضي أوقاته في غير المجالات النافعة مما يعرضه للوقوع فريسة لكثير من التيارات والكثير من الأفكار التي تقتحم هذا الفراغ. ويرى د. هاشم أن البطالة وعدم العمل والفراغ تجعل الشاب بعيداً عن أي مشاركة اجتماعية أو دينية وكذلك عدم وجود عمل له أو عدم قضاء أوقاته بشكل جيد يسبب له كثيراً من المتاعب والمشاكل.

المجتمع كائن حي

ويرى الشيخ عبد العزيز الشاذلي من وزارة الأوقاف المصرية أن المجتمع كائن حي يمثل أفراده في تكوينه الأهمية التي تحتلها أجزاء أي كائن حي في كيانه الذاتي يقوم أفراده في محيطه بنفس الوظائف التي تقوم بها أجزاء الحيوان الواحد لتحقيق التعاون على حفظ بنائه. ويضيف الشاذلي:

ان توعية المجتمع والسمو بتصوره وحده لا يكفي ما لم يدعم ذلك بتوعية الفرد، وتزويده بكل ما يهيئه للقيام بدوره في هذا المجتمع، ولهذا السبب كانت عناية الإسلام بالفرد كخلية حية من خلايا جسم المجتمع كله، فإذا صلحت صلح وإذا فسدت فسد يوضح هذا ما رواه الإمام مسلم بسنده عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» وهكذا ربط الإسلام بين الفرد والمجتمع بأوثق الروابط بعد أن وضع المقومات الضرورية لكيان كل منها، ذلك الكيان الذي لا يمكن أن ينفصل عن كيان الآخر أو يحيا بدونه، ومن هنا وجب أن يعمل الفرد على تكميل نفسه كوسيلة للبلوغ بمجتمعه إلى الكمال.

ويرى الشيخ الشاذلي أن الإيمان الذي لا يتزعزع هو القوة الدافعة للفرد التي تحثه على السير قدماً في طريق هذا الدين، وتحضه على ممارسة الشعائر الدينية، وعلى إتيان الفضائل من الأعمال واجتناب الرذائل منه ويوضح هذا ما رواه الحاكم بسنده وصححه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله، فأما الذين يحبهم الله فرجل أتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم لقرابة بينه وبينهم فمنعوه فتخلف رجل بأعقابهم، فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلاَّ الله .

والذي أعطاه وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم، فقام أحدهم يتملقنى ويتلو آياتي، ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم الله: الشيخ الزاني، والفقير المختال، والغني الظلوم».

وأكثر من ذلك أن هذه العقيدة ستقومه إلى النصر والنجاح والفلاح والتوفيق فيما يأتي من أعمال، وستضمن له الفوز في ما يقوم به من مشروعات عمرانية أو أدبية، ويكون الشعور بالإيمان سواء من الفرد أو الجماعة له فاعليته المطلقة في تقدمها ورقيها وبمقدار ما يكون باعثاً على طلبهما للكمال في مختلف نواحي الحياة الإنسانية.

ويرى د. منيع عبد الحليم محمود عميد كلية أصول الدين الأسبق أنه على شبابنا أن يقلبوا صفحات الماضي المجيد لشباب الرعيل الأول من المسلمين ويعكفوا على دراستهم والتعرف على ما كانوا عليه فسيجدون في ذلك وحده ما يبحثون عنه.

وما ينشدونه من أمن للنفوس وقدوة افتقدوها في عالمنا المعاصر والسبيل الأمثل إلى العزة والمتعة فهذا سبيل من أراد النهوض من كبوته والتغلب على ما يلفه من نوازع نفسه ومواجهة ما يملأ حياته من مشكلات تشابكت وتلاحقت وهى وحدها الكفيلة بترسيخ القيم والمثل الرفيعة في نفوس شبابنا وإعادته إلى الطريق المستقيم كي يسهم في صنع حياة كريمة لأمته، ويعمل من أجل رفعتها وتنميتها والمضي بها قدماً إلى العزة والمنعة.

ويضيف د. منيع: كما ندعو شبابنا المتدين إلى الالتزام بما دعا إليه ديننا الحنيف من أن يكون الإنسان قادراً على تغيير وجه الحياة وعلى حماية حدود الله وفرض إرادته على الحياة من حوله ليصنع منها كوناً خيراً لا يعوق العدل فيه معوقات، ولا يقف في طريق النفع فيها موانع يأمن فيه الإنسان على نفسه ويتعاطف فيه مع غيره ويجد سعادة قلبه وسرور نفسه..

إن الإنسان لن يستطيع تحقيق هذا كله إلاَّ إذا ملك الإيمان العميق، وقوة العزيمة وصلابة الإرادة وأن يتزود بالمحبة لأفراد مجتمعه، والحرص على ما ينفع الجميع ويحقق الخير لهم. قيمة العبادات يقول د. شكري عباس حلمي أستاذ التربية بالجامعات المصرية:

إن منهج الإسلام في بناء العلاقات الإنسانية فيه تحقيق لسعادة الفرد والجماعة على السواء مادامت استقامت علاقة الفرد المسلم بربه وتحققت في اتزان كامل وأسلوب صحيح، فالعبادات في الإسلام تعيد صلة المرء بالله تعالى وتحميه من الزيغ والتوهان وترده إلى الإيمان في ظل الرجاء لرحمة الله والخوف من عقابه.

ويضيف د. حلمي: فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولو لم يكن للصلاة من هدف سوى أنها تحيي ضمير الإنسان وتنهاه عن ارتكاب الفواحش وهتك الأعراض فإنها طاعة لله وعبادته والامتثال لأوامره ورقي بوجدان الإنسان حتى يتحول إلى إنسان متعاون مع إخوانه المحتاجين في مودة ومحبة ليتماسك المجتمع الإنساني.

وفريضة الزكاة شرعها الإسلام كوسيلة لترسيخ ودعم وبناء المجتمع المتماسك شريطة أن يأتي أداء المسلم لهذه العبادة بنية صادقة تتسم بالحقائق والموضوعية والوضوح ومتضمنة للقيم التي يمكن أن تسهم في بناء الأفراد والمجتمع ففيها تطهير للنفس وزيادة في الأموال وتماسك بين الأفراد.

ويبين د. حلمي أن الصيام يهدف إلى تجنبنا للغو في القول وينفرد بكونه كفاحاً وجهاداً موجها من الذات ضد اللذت، وموجهاً من نفس الإنسان ضد رغبات جسمه وبدنه وبه ينال العبد درجة التقوى فعبادة الصوم فيها رحمة وبر وتكافل اجتماعي لذوي القربى والفقراء بالبذل والعطاء في شهر الصيام وفى غيره.. ويهدف الحج لبناء العقيدة الصحيحة عند المسلم ويتحول الإنسان من الكبر والتعالي إلى التواضع والتواد من الأنانية إلى الأثرة ومن الفردية والذاتية إلى الجماعة والاتحاد.

ويؤكد د. حلمي أن في الحج يتخلص الإنسان من جميع أصناف الفردية، ويتوجه بكل طاقته إلى ربه فيحسن علاقته به ويتوكل عليه ويستمد من عنده العون والنجاة في الدنيا والآخرة.

تعلم الرياضيات

د. محمد يسرى جعفر أستاذ أصول الدين بجامعة الأزهر يقول: لقد اهتم الإسلام بالفرد والجماعة خاصة الشباب اهتماماً يشمل جميع مراحل حياتهم ويشمل تكويناتهم المختلفة فاهتم الإسلام بعقل الشباب، فأمر المربين والدعاة ألاَّ يغذوا هذا العقل الشبابي إلاَّ بما يفيد الشباب وينفعهم، كما اهتم الإسلام أيضاً بقوة الشباب واستغلال وقت الفراغ في تعلم ألوان الرياضة المختلفة من سباحة ورماية وركوب الخيل، هذه الرياضات التي كانت مقامة في العصر الأول في الإسلام.

ويضيف د. جعفر أن هذا دليل على أن نعلم أبناءنا كل رياضة مفيدة تحفظهم وتنميهم وتوسع مداركهم كما أمر الإسلام بعدم تبديد قوة الشباب وأمره بالحفاظ عليها.

ويؤكد د. أحمد النكلاوي أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية على قيمة الوقت وعدم إهداره فيما لا يفيد، ويرصد بعض مظاهر التخلف والسلوك الخاص ببعض الأفراد الذين يحيطون به حيث يضيع كثير من الوقت في الأحاديث التلفونية الطويلة والمجاملات الزائدة والمبالغ فيها وكذلك في النوم الطويل والكسل والإهمال.

ويرجع د. النكلاوي ذلك إلى غياب الوعي الديني حيث الأفراد الأكثر وعياً وثقافة، يعملون وفق تخطيط جيد للوقت للانتفاع بأقصى طاقة ممكنة.

ويوضح د. النكلاوي أن إهدار الوقت جريمة ولكن لا يعاقب عليها القانون، وتخطيط الوقت شرط أساسي للقضاء على الفراغ الفردي والجماعي، وأن الالتزام بهدايات الإسلام يجمع الشمل ويحقق ميزان العدالة ويحيي القلوب ويقوي الضمائر فلا تستجيب لأي دعوة تتعارض مع حقائق ديننا الإسلامي الخالد ،فالإسلام هو الزاد القوي المتين لتحصين الأمة الإسلامية ضد كل الانحرافات المسمومة التي يسعى أعداء الإسلام لتسريبها إلى الكيان الإسلامي.

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية: