هو يعقوب بن اسحاق بن الصباح الكندي، كنيته أبو يوسف. ولد في الكوفة، وهو أحد أبناء ملوك كندة، ونشأ في البصرة، انتقل إلى بغداد، درس علوم عصره، فتعلم الطب والفلسفة والفلك والموسيقى والهندسة.
ولأن نبوغه ظهر مبكراً، فأتيحت له الفرصة ليتصل بالخليفتين المهدي والرشيد، وكانت عادة الخلفاء تقريب أهل العلم والحكمة، وطلبهم والإذن لهم بحضور مجالسهم، بحيث لا يخلو مجلس لخليفة من أهل العلم والكلام والحكمة، وفي أحيان كثيرة كان الخلفاء يجرون المناظرات والمحاورات بين العلماء بحضرتهم، ويكافئونهم بالعطايا الثمينة..!
وكان الخلفاء لحرصهم على بناء فكر أبنائهم يعهدون بهم إلى بعض هؤلاء القادة من العلماء والحكماء، لإعدادهم لأمور الحكم بالعلم والثقافة والأدب، فكان من نصيب الإمام الكندي أن ينتدب لتأديب ابن الخليفة المعتصم.
وكانت ثقافة الكندي واسعة، فقد درس السريانية واليونانية، واطلع على كتب ارسطو وأفلاطون الفيثاغوريين، وقرأ كتب الأقربين ومعاصريه في العلوم كافة، كان ذكيا ويتمتع بحافظة متميزة..!
وبين جمهور فلاسفة الإسلام يعتبر الكندي أول فيلسوف عربي مشائي، وهو المؤسس الأول للفلسفة العربية التوفيقية، ابتكر مصطلحات وتعريفات في الفلسفة استعان بها مفكرو الإسلام بعده، فحسنوا وكيفوا تبعا لنسق تفكيرهم، وفي طليعتهم الفارابي فيلسوف الإسلام الأكبر. أو المعلم الثاني صاحب «آراء أهل المدينة الفاضلة»..
ولابد من تقرير ان الثقافة اليونانية انتقلت إلى المشرق عن طريق الكنائس المسيحية التي تأثرت بهذه الثقافة، وخاصة الكنيسة اليعقوبية التي انتشرت آراؤها في بلاد المشرق عامة وفي فارس خاصة، وآراء الكنيسة اليعقوبية والملكانية التي انتشرت في سوريا، كما كان لمدارس الرها أثر كبير في نشر الثقافة اليونانية في مدارس نصيبين، حيث كانت تدرس العقائد النسطورية والثقافة اليونانية التي نالت تشجيع آل ساسان من ملوك الفرس ولا تقل مدارس حران في بلاد الجزيرة عن مدارس الرها ونصيبين، إذا كانت تدرس فيها الآراء الفلسفية اليونانية والأفلاطونية الحديثة، وكان الحرانيون ـ أو الصابئة.
وهذه التسمية التي أطلقت عليهم في القرنين التاسع والعاشر «الثالث والرابع الهجري» ينسبون حكمتهم الصوفية إلى هرمس المثلث الحكمة وأغاثاذيمون وأورانيوس وغيرهم. وقد أخذوا عن حسن نية بآراء موضوعة ترجع إلى العصر الإغريقي المتأخر، وربما يكون بعض هذه الآراء قد وضع بين ظهرانيهم.
وقد نشط قليل منهم في الترجمة وفي التأليف الذي يدل على سعة العلم، وكان لكثيرين منهم اتصال علمي وثيق بعلماء الفرس والعرب من القرن الثامن إلى العاشر الميلادي «الثاني إلى الرابع الهجري».
وقد أسس كسرى أنو شروان «351 ـ 379 ميلادية» في مدنية نيسابور معهدا تدرس فيه الفلسفة والطب وغيرهما من العلوم، وكان معظم اساتذته من المسيحيين النسطوريين.
وكان لتسامح هذا الملك وشغفه بالثقافة العقلية أثر كبير في جذب العلماء، لا من النسطوريين وحدهم، بل من اليعقوبيين والسريانيين، الذين ذاعت شهرتهم في الطب، سواء في عهد الساسانيين أو في عهد الخلفاء الراشدين. ويدل على هذا التسامح ما لقيه الفلاسفة الوثنيون من أنصار المذهب الأفلاطوني الحديث من وسائل التشجيع والتعضيد.
وغني عن البيان أن الكندي من أول من تأثر بهذه الثقافات، وبرع فيها، وكان كما قال ابن النديم في الفهرست: «فاضل دهره، وواحد عصره في معرفة العلوم القديمة بأسرها، ويسمى فيلسوف العرب، وكتبه في علوم مختلفة مثل المنطق والفلسفة والهندسة والحساب والأرثماطيقي والموسيقى والنجوم وغير ذلك».
وكان غزير الإنتاج جدا، حتى لقد ذكر ابن النديم مؤلفاته في الفلسفة وحدها خمسة وعشرين كتابا، وذكر له في المنطق وحده تسعة كتب، وفي الحسابيات أحد عشر كتابا، وفي الكريات ـ الدوائر الكروية ـ تسعة كتب، وفي الموسيقيات سبعة كتب، والنجوميات خمس وعشرون رسالة وفي الهندسيات خمسة وعشرون كتابا.
وفي الفلك ستة عشر كتابا، وفي الطب ثلاثة وعشرون كتابا، وفي الإحكاميات ثلاثة عشر كتابا، وفي الجدليات تسعة عشر كتابا، وفي النفسيات سبعة كتب، وفي السياسات أحد عشر كتابا، وفي الإحداثيات خمسة عشر كتابا، وكما له آثاره في الإبعاديات والمتقدميات والأنواعيات..الخ!
وهذه النقول إن دلت على شيء فتدل على قوة هذا الرجل وتفانيه في أبواب التحصيل، حتى يثمر هذه الثمار العلمية التي ترفع الشأن وتشرف القوم الذين برز منهم هذا الطور الشامخ بتميزه وتفرده العلمي وعطائه الفذ في عالم الفلسفة والمنطق، رغم أن هذه الفنون لم تكن عربية بالأصالة وكان هذا بشهادة غير العرب وغير المسلمين والذين انتقلت إليهم علومهم القديمة ميسرة مذللة مشروحة بأيدي أبناء العرب، حتى أن باكون يقول: «إن الكندي والحسن بن الهيثم في الصف الأول مع بطليموس» .
وقال البروفيسور برنارد لوس في كتابه تاريخ العرب «إن المسلمين في عهد المأمون قد اهتموا بالترجمة فترجم الكندي فلسفة أرسطوطاليس» ولمح الدكتور ديفيد يوجين سمث في كتابه تاريخ الرياضيات «المجلد الأول»:
« أن الكندي عند الأوروبيين والأميركيين باسم فيلسوف العرب» ومدحه صالح زكي في كتابه آثار باقية الكندي قائلا: « ان الكندي أول من حاز لقب فيلسوف الإسلام. كما كان يرجع إلى مؤلفاته ونظرياته عند القيام بأي عمل فلسفي».
وقد أعطى إخلاصه للعلم فجنى ثمرته، فكان يؤمن إيمانا راسخا أن ليس هناك حد للمعرفة فضمن أقواله المأثورة: « العاقل من يظن ان فوق علمه علما، فهو أبداً يتواضع لتلك الزيادة، والجاهل يظن أنه قد تناهى، فتمقته النفوس لذلك» كما كان يفكر أن العلم بحد ذاته حصيلة لتراكم جهود مختلف الناس والشعوب في سعيهم لمعرفة العالم، وهم في هذه المهمة شركاء في التراث العلمي الإنساني، وينقل عنه القول:
« ينبغي أن لا نستحي من الحق واقتناء الحق من أين يأتي، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا، والأمم المباينة لنا، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق، وليس ينبغي بخس الحق ولا التصغير بقائله ولا بالآتي به». وهذا يظهر من رسالته المعروضة لدى معظم العلماء المهتمين بالكندي التي أرسلها إلى المعتصم بالله:
« إن أعلى الصناعات الإنسانية وأشرفها مرتبة صناعة الفلسفة. لأن حدها علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان، ولأن غرض الفيلسوف في عمله إصابة الحق، وفي عمله العمل بالحق». والجدير بالذكر أن ما وصفه الكندي من منهج فلسفي ربط بين فلسفة أفلاطون وفلسفة أرسطو، ويعتمد على طريقة الاستنباط المنطقي التي كان يعاني منها الكثير من الفلاسفة. وقد سار على هذه الطريقة من علماء المسلمين: الفارابي والخوارزمي وابن سينا..!
وكان يرى ان الفلسفة لا تتعارض مع الدين، لكنها أيضا لا تقوم مقامه ولا تغني عنه، فما هي الا تنوير عقلي لفهم الدين، الذي هو حق وصواب في كل تعاليمه، بعكس الفلسفة التي قد تصيب وقد تخطئ في المسائل الاجتهادية..!
ويوجب العلم بأن الفلسفة تتفق مع الدين في الموضوع من حيث علم الاشياء بحقائقها، كما أنها تتفق معه في الهدف، لأن كلا منهما يبحث عن الحق ويؤمن به، وعن الخير ويعمل به، هذا بالإضافة إلى أن كلا من الدين والفلسفة يقدر العقل ويحض على إعماله..!
ومن هنا يفهم العالم كيف أن الكندي لم يقل برأي يوما ما، ينقاض أو يعارض أصلا من أصول الدين، ولذلك فإنه لا يدخل تحت مرمى سهم من سهام الإمام الغزالي أو غيره من الأئمة الذين أهالوا التراب على الفلسفة والفلاسفة ورموهم بالإلحاد والزندقة ومحاربة الدين وأهله.
وقال الدكتور عبداللطيف محمد العبد في موسوعة أعلام الإسلام: «ومن تمام القول في المشروع الحضاري للكندي أنه كان مسجلاً لحضارة عصره من جميع نواحيها. ولا مانع من وصفه بأنه فيلسوف الحضارة العربية والإسلامية في النصف الأول من القرن الثالث الهجري. ومما تمتاز به فلسفة الكندي أنه كان يخضع الحضارة بشقيها المادي والروحي للقيم الدينية والأخلاقية، حتى لا يطغى جانب على الآخر فتختل المثل.
وتنحرف مسيرة الحياة لدى البشر كان الكندي غزير التأليف، وقد أشرنا إلى أن ابن النديم قد سجل له 241 كتابا ورسالة موزعة على 17 نوعاً من المعرفة، ولم يبق منها سوى بضعة وخمسين كتابا، طبع منها بالفعل أربعون ولا يزال الباقي مخطوطاً..
وقال بان أبي أصيبعة في كتابه طبقات الأطباء: « ترجم الكندي من كتب الفلسفة الكثير، أوضح منها المشكل، ولخص المستصعب، وبسط العويص» وأضاف البيهقي «وقد جمع الكندي في بعض تصانيفه بين أصول الشرع وأصول المعقولات. وكان ـ أي الكندي ـ يتحدث كثيرا عن علاقة الفلسفة بالرياضيات ومن اقواله المأثورة ان الفرد لا يمكن ان يكون فيلسوفا إلا إذا ألم بعلم الرياضيات، وان الرياضيات بمثابة جسر للفلسفة.
وقال جورج سارثون في كتابه المدخل لتاريخ العلوم «المجد الأول» «إن الكندي من اثنى عشر عبقريا الذين هم من الطراز الأول في الذكاء».