المفكر الإسلامي د. محمد عمارة أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر من القلائل في مجال العمل الدعوي الإسلامي الذين يحرصون بجد في مختلف الأمور السياسية التي تعيشها الأمة في الآونة المعاصرة، ظناً منه أن السياسة شأن لا ينقطع عن الدعوة إلى قويم الفكر وصحيح السلوك الإنساني.

العلمانية من وجهة نظره لا تصلح تطبيقيا للأمة الإسلامية، لأنها حل أوروبي لمشكلة أوروبية، والليبرالية ليست فكراً عقائدياً يتخذ لبناء الأمة، فهي نظرة قاصرة من المنظور العقلي، أما العقيدة في فكره فهي القاعدة النظرية للإسلام حيث المصدر الموثوق به فيها هو القرآن الكريم.. وأمور أخرى كثيرة له فيها رأي أبداه في حواره ل«وكالة الصحافة العربية».* تعاني الأمة العربية والإسلامية آلاماً مبرحة في الآونة الأخيرة من جراء الحروب التي تشنها القوى الغربية على الإسلام والمسلمين.. فهل ترى أن ما يحدث في العالم اليوم هو من تداعيات انفجارات نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر 2001؟ .

ـ على العكس، أعتقد أن تداعيات وثمرات ونتائج ما وقع في الحادي عشر من سبتمبر 2001 تمثل التطبيق العملي لمرحلة العولمة التي تعني بالمنظور الغربي عملية اجتياح الغرب خاصة الأميركي للآخر، وهذا ما نشهده الآن في لبنان.

حيث الاجتياح الإسرائيلي المدعوم أميركيا للأراضي اللبنانية في تحد سافر لكل الأعراف والمواثيق، والقوانين الدولية، لذلك فالأمر لا يعدو مجرد ثمرات وليست تداعيات لأن الأجندة الأميركية كانت قد أعدت مسبقاً، إلا أن هذه التفجيرات، التي لا تزال لغزاً محيراً لا يعلم أحد من يقف وراءها ومن المتسبب فيها، جاءت لتكون القشة التي قصمت ظهر البعير ووفرت للإدارة الأميركية ذريعة مواتية تعتمد عليها في تنفيذها أجندة احتياج بلدان العالم الثالث الرافضة للفكر العولمي الأميركي.

حرب مفتوحة

* وماذا عن المسلمين أن يفعلوا تجاه هذه الغطرسة الأميركية - الإسرائيلية الممارسة بشكل صحيح تجاه لبنان؟

ـ ممارسة الغطرسة ضد المسلمين والعرب أمر ليس بجديد، بل قراءة الأحداث في السنوات الأخيرة تؤكد بما لا يترك مجالاً للشك أن الإدارة الأميركية رتبت أوراقها واتخذت قرارها بإعلان حرب مفتوحة وممتدة على كل ما هو إسلامي استجابة لتلك الدعاوى الإعلامية الصهيونية التي أكدت لصانع القرار في الولايات المتحدة الأميركية وباقي البلدان الغربية أن القضاء على الإسلام أمر لا بديل عنه لحماية التفوق الغربي ولتأمين المواطن الأوروبي والأميركي، وفي غطرسة وإصرار انتهجت الإدارة الأميركية طريق القضاء على الإسلام مدعية أن هذه الحرب تهدف إلى القضاء على التطرف والإرهاب.

وهي في ذلك تجعل من الإسلام والتطرف وجهين لعملة واحدة. وفي إطار هذا السعي جاءت حربها ضد أفغانستان والعراق ومواقفها الداعمة على طول الخط لاجتياح إسرائيل للأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل شبه يومي، وجاءت الحلقة الأخيرة وقوفها بتعنت ملموس ضد الإرادة الدولية التي فاقت مؤخراً من غيبوبتها إزاء القتل الجماعي الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب اللبناني، ودعمت الموقف الإسرائيلي وقدمت له السلاح والتأييد وأطغت عليه شرعية أميركية زائفة .

مؤكدة على أن هذا السلوك الإسرائيلي ما هو إلا رغبة في القضاء على التطرف المتمثل في ميلشيات حزب الله، متناسية أن شعوب العالم أجمعت في مناسبات عديدة أن إسرائيل هي الدولة الأكثر تطرفاً وإرهاباً في العالم، وأن حزب الله حركة مقاومة شعبية يقف وراءها كل الشعب اللبناني بل العربي والإسلامي.

وهنا، لابد من وقفة حاسمة لكل المسلمين ومن يناصرهم من مختلف شعوب العالم المستضعفين الكارهين للتطرف الصهيوني والظلم الأميركي الذي اعتاد على سياسة الكيل بمكيالين، لخلق جبهة رفض لكل هذه السياسات التي من شأنها خدمة المصالح الأميركية والغربية بدون التقيد بمقتضيات مصالح الشعوب الأخرى.

ولتكن هذه الجبهة الرافضة نموذجاً للصمود ورفض الظلم الممارس من شمال وغرب العالم ضد جنوبه وشرقه، وبغير هذا الموقف الموحد لن يكون هناك رادع للسياسات اليمينية المتطرفة التي تصدر عن الولايات المتحدة الأميركية وشركائها.

* تعددت مؤخراً رؤى البعض التي تنادي بضرورة الأخذ بالعلمانية ككل لتراجع المسلمين.. فما ردكم؟

ـ نحن نرفض العلمانية لأنها حل أوروبي لمشكلة أوروبية، فالعلمانية لا تعني فقط الفصل بين الدين الإسلامي والواقع، وإنما تعني أيضا فصل الأمة الإسلامية عن حضارتها وتراثها، وتحويل المسلمين إلى هامش الحضارة الغربية .

وهذا يفقدنا استقلالنا الحضاري، لكن رفض العلمانية لا يجب أن يتخذ صورة رد الفعل الصاخب الذي يدفعنا للتمسك بكل قديم لمجرد أنه قديم، فنحن مطالبون بأن نميز بين النصوص ومقاصدها، وكذلك يجب أن نميز بين نصوص الوحي القطعية الدلالة والثبوت، وبين النصوص الأخرى خاصة أحاديث الأحاد أو الموضوعية أو الضعيفة.

أو تلك التي لا يتسق منطقها عندما تعرض على روح الشريعة ومنطق القرآن الكريم وأن تميز في السنة النبوية الشريفة بين ما هو تشريعي يتعلق بتبليغ الوحي وتفصيله، وبين غير التشريعي المتعلق بأمور دينية يتجاوزها التطور الذي هو قانون وسنة من سنن الله في الكون، كذلك لابد أن نميز بين الشريعة كمنهج ومقاصد وبين تطبيقات السلف واجتهادات الأقدمين، فليس من الثوابت أن تطبيقات السلف واجتهادات الأقدمين ملزمة لمن يعيش واقعاً مغايراً للواقع الذي عاشوا فيه واجتهدوا له.

* إذن كيف تنظر إلى الفكر الليبرالي المعاصر؟

ـ الليبرالية أو التحرر ليست فكراً عقائدياً يتخذ لبناء الأمة، ولو دعوت الليبراليين لكي يشرحوا فكرهم وعقيدتهم لاختلفوا في ذلك اختلافاً كبيراً، ولن ترى أي منظور فكري لأجوبتهم، فالليبرالية في الغرب هي التحرر من أية قيود للأخلاق، فمثلا زواج الجنس الواحد في الغرب من الليبرالية فالليبراليون عملهم يتركز في محاربة كل ما ينتمي إلى الإسلام من تشريعات وأخلاق.

ويرفضون تطبيق الشريعة الإسلامية وبعضهم يرى أن القانون الوضعي أفضل من الشريعة، وهذا دليل جهل وقصور عقلي، فبعضهم يستهزئ باللحي والدعاة وطلبة العلم والعلماء، وهذا هو مفهوم الليبرالية لديهم وهم بذلك يعتبرون أدوات بيد أعداء الإسلام، يدمرون بها قوة الأمة وطريق عودتها إلى الصدارة وبذلك يخدمون أعداء الأمة.

علمانية المجتمع

* ما الذي يرفضه الإسلام من العلمانية في تصوركم؟

ـ الذي يرفضه الإسلام هو علمانية المجتمع، أو محاولة فرض عزلة بين الدين وتنظيم أمور المجتمع لأن هذه العزلة مناقضة بطبيعة الإسلام، والدعوة إليها أيذان بخصومة لا مفر منها بين هؤلاء الداعين وبين التيار الإسلامي بروافده كلها، فالدعوة إلى علمنة المجتمع لا تمثل في الحقيقة موقفاً حيادياً بين الأديان.

وهو الركن الأساسي في العلمانية، إذ انها وجهة نظر مسيحية خالصة تتفق مع قاعدة اعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر.. ولكنها تضع العربي المسلم في تناقض حاد مع قاعدة شمول الإسلام وتنظيمه الواضح إجمالا وتفصيلاً لأمور المجتمع وبذلك تكون العلمانية منحازة في الواقع لرؤية الأقلية على حساب رؤية الأغلبية.

* بعض من المستشرقين يدعي أن الإسلام انتشر بحد السيف فكيف ترون هذه الادعاءات؟

ـ لقد اختبرت هذه المقولة وجمعت كتب الغزوات التي بلغ عددها 70 غزوة، وهذا العدد قد يوحي بوجود عنف ولكني أحصيت عدد الذين قتلوا في تلك الغزوات من المسلمين وغير المسلمين فبلغ عددهم نحو 386 قتيلا .

وهذا العدد ضئيل للغاية إذا ما قارناه بالحروب الدينية في أوروبا، بين البروتستانت والكاثوليك والتي ذكر هنري كيسنجر أنها أبادت نحو 40% من شعوب وسط أوروبا في أقل من قرن، في حين اكتسح الإسلام الشرق وظهر على جميع الأديان بحوالي 386 قتيلا فقط، فمعارك المسلمين لم تكن إلا ضد الفرس والروم وهي قوى محتلة مستعمرة ومهيمنة.

ولم يحدث قتال بين المسلمين وبين شعوب البلاد التي كانوا يحتلونها، بل إن نصارى الشام حاربوا مع جيش أبي عبيدة بن الجراح، وكذلك حارب العرب المجوس مع خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة، فالسيف في الإسلام كان ضد المستعمر، وعندما انتشر الإسلام أقام دولة ولم يقم ديناً.

فالسيف لم يكن لنشر الإسلام وإنما كان لتحرير الإرادة لتختار الشعوب ما تريد، وقد فتح المسلمون مصر ولم يدخل المصريون الإسلام إلا بعد 200 سنة بقناعتهم ودون إجبار من أحد، وقد فتح المسلمون خلال 80 عاماً أكثر مما فتحه الرومان خلال 8 قرون، لأن الجيل الذي قام بالفتوحات صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على يديه، فكان يقاتل من أجل هداية الناس وتحرير إرادتهم وليس من أجل سفك الدماء أو إجبارهم على اعتناق ما لا يريدون.

شيوع الانفلات

* ألا ترون أن لمظاهر الغضب الإسلامي إزاء العلمانية له ما يبرره؟

ليس بتلك الصورة التي نراها وليس بهذا الانزعاج من شيوع الانفلات من روح الإسلام، لقد أصبحنا نعاني من ردة فعل نصوصية تقتصم في جمود بكل ما هو قديم، ونشهد جماعات تتكون وتحكم على المسلمين بالكفر والجاهلية وتستبيح حرمات الدم والمال، انطلاقاً من نصوص هي أقرب ما تكون إلى القصص والإسرائيليات.

ونشهد جماعات تعتزل مساجد المسلمين وتنهض لبناء مسجد خاص بها، ونرى جماعات أخرى يبلغ بها اللغو الذي يجعلها تتقيد ليس بالنصوص الدينية فقط، وإنما بواقع التاريخ، وهكذا أصبحنا نشهد العلمانية التي تتحلل من كل المواريث الإسلامية ويجمد أنصارها عند نصوص المفكرين الغربيين.

ومن ناحية أخرى نشهد رد الفعل الغاضب ضدها، الذي يجمد أصحابه عند كل موروث، والمطلوب هو التميز بين الدين الذي وضعه الله وأوحى به وبين تطبيقات السلف لهذا الدين على واقع عصرهم الذي تغير، وعلى الإجمال يجب التمييز بين الثوابت أو المتغيرات وبين عقائد أو روح الشريعة وبين ظواهر النصوص.

* تكاثر عدد الحركات الإسلامية السياسية في الأعوام الماضية، ما هي الأسباب برأيكم؟

ـ السياسة ليست حكراً على العلمانيين أو الليبراليين أو اليساريين، ولن نفسح الساحة لهم ليفسدوا ويدمروا المسلمين وديارهم، وما نراه اليوم من ترد في أحوال العرب ليس إلا حصاداً لما زرعوه، وإفسادا في الجسم العربي فلقد أفسدوا النظم الاجتماعية والتربوية، ودمروا الاقتصاد وعملوا معاول الهدم في مكمن القوة في الأمة، والإسلام دين ودولة ،هو دين شامل.

وليس هناك تكاثر لعدد الحركات الإسلامية السياسية بل هو اهتمام متزايد للدعاة في إصلاح أمور الدين والمسلمين، من خلال أخذ دور أكبر في الجانب السياسي لعملية الإصلاح والتنمية والعمل على إعادة الأمة إلى دور الصدارة بين الأمم، والقيام بأداء مهام الرسالة وتحرير الأمم من العبودية، عبودية الإنسان للإنسان إلى عبودية الإنسان لخالق الإنسان ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

ارتباط العقيدة بالعلم

* العقيدة الإسلامية.. هل تعتبر مرادفة للإيمان أم جزء منه؟

ـ العقيدة الإسلامية تعتبر الأمور التكليفية القبلية التي لا يكتفي فيها بما دون التصديق، أي يصدق بها قلبه وتستيقن بها نفسه، وتتأثر بها إرادته، وتعتبر العقيدة هي القاعدة النظرية للإسلام، فمصدرها موثوق به وهو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. والإيمان في اللغة يعني التصديق بأي شيء يقال.

ولكن الإيمان مشرعاً يفهم منه أن العقيدة هي الإيمان حكما وتكون العقيدة غير الإيمان كلما كان ذلك عمل الواجبات من صوم وحج وزكاة وغير ذلك أو الإقرار باللسان فقط، فمن أقر بلسانه فهو مؤمن وتكون العقيدة جزءا من الإيمان كلما كان الإيمان هو التصديق مع الإقرار باللسان فقط أو الإيمان مع عمل الواجبات، لأن العقيدة من حيث هي لا يدخل في مفهومها العمل أو الإقرار، بل هي التصديق واللّه أعلم.

القاهرة ـ حسام الدين محمود: