تحمل إلينا مجموعة مساجد الشارقة الحديثة، المقامة على امتداد بحيراتها أو غير بعيد عنها، مجموعة من القضايا المعمارية المهمة، الجديرة بالتأمل والدراسة والتوقف عندها طويلاً.

المسجد الذي يشكل خلفية هذا التأمل هو، هذه المرة، مسجد القصباء، القريب من قناة القصباء بحي المجاز، والذي أنشئ حديثاً.ويبدو لنا بوضوح ان القضية الأولى التي يثيرها هذا المسجد، بل ومجموعة هذه المساجد بكاملها، هي القضية المتعلقة بنمط الصورة المختارة للبناء.القضية الثانية تدور حول بناء المسجد الحديث باعتباره المحل الهندسي، أو ان شئت فقل الفرصة المتاحة لممارسة فنون وحرف وألوان إبداع أخرى تترافق مع العملية المعمارية ذاتها.

وهناك قضية ثالثة تتعلق بتحديات القياس المعماري وتحقيق تناغمه مع الوحدة البصرية والصوتية في داخل فضاء المسجد.والقضايا عديدة في هذا الصدد، ولكن يهمنا ان نلفت النظر إلى ان المتطلبات الإجبارية في المسجد الحديث محدودة، ولكنها بالطبع من المحتم ان تتم الاستجابة لها، فليس هناك مسجد في الدنيا لا يتم توجيه محرابه باتجاه مكة المكرمة، وأياً كانت عقبات الموقع فإن التصميم لابد له من أن يوفر مجالاً للصلاة على امتداد حائط القبلة، ولابد من إيجاد منبر للخطبة، مهما كان بسيطا من حيث الشكل، وتسهيلات الوضوء جزء لا يتجزأ من الكيان الكلي لموقع المسجد.

وخلافاً لما هو متوقع، فإن عناصر أخرى تبدو لنا مرتبطة بالمسجد على نحو لا انفصام معه، مثل المئذنة والقبة، هي في النهاية عناصر اختيارية، يمكن اختزالها أو حتى الاستغناء عنها كلية.

لاحظ هنا انه حتى عندما يشدد راعي المسجد او القائم على أمره أو اللجنة الفنية المكلفة بمتابعته على الطابع الحديث للمسجد، فإن ذلك يرتبط دوماً بـ «صورة إسلامية».

هذه الصورة هي وليدة ألف عام من تقاليد الذاكرة البصرية للجماعة الإسلامية، وهي تستحضر في المقام الأول التسقيف القائم على العقود، تستحضر القبة، تستدعى المئذنة، وتستعيد كذلك مكونات زخرفية محددة.

وهكذا فليس مدهشاً ان مساجد تنتمي إلى الحداثة بصورة واعية عادة ما تقوم على مفردات تستحضر نماذج تاريخية تستلهم منها عناصر أساسية في تصميمها. مسجد القصباء نفسه وليد فلسفة انشائية جمالية توظف الحديث في التقنية وفي المفهوم الإبداعي، لكنه في الوقت نفسه يستدعي تقليداً ابداعياً تاريخياً رصينا يردد أصداء العمارة المملوكية المتأخرة، التي راكمت أروع ممارسات عهود طويلة سابقة من ابداع العمارة المسجدية.

لاحظ بيت الصلاة المربع القوي الركين، الذي تشمخ فوقه قبة مضلعة السطح، تحقق التناسق مع كتلته، وتؤطر هذا كله مئذنتان لا مجال للشك في نسبتهما للتقاليد المملوكية الضاربة في رحم السنين، حيث القاعدة المربعة المكينة التي تكتسي بكيان مثمن، وهمي ترتفع ناهضة في اعتدال، وتلتف بشرفات تحليها صفوف باهرة من المقرنصات.

المشروع الزخرفي لا يقل رصانة عن الإنشاء، حيث التوظيف الجميل للحشوات وأعمال الجص ولوحات الخط والمقرنصات.

تأمل حسن التقسيم ومراعاة القياس البشري، عبر انتقالات بارعة في حائط القبلة، وصولاً إلى المحراب الذي يتمثل في كتلة نحتية باهرة.

حقاً هكذا يلتقي الجميل والجليل عبر الرسوخ المعماري.