سن رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤية الخطيبين أحدهما للآخر لحكم أهمها تكوين فكرة مبدئية عن شخصية كل من الطرفين لبعضهما، وتبين مدى انسجام كل من زوجي المستقبل في الصورة الظاهرة، بعد ان بحث الزوج عن الأسرة المحترمة، والمعروفة بالخلق والدين، وأن هذه المخطوبة فرع طيب من ذلك المنبت الصالح، ذلك ان طلب جمال الصورة غير مستنكر في الشريعة، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين ترتب يداك.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر الرغبة في الجمال، ولكن خشي أن تؤثر هذه الرغبة في طلب ذات الخلق والدين، فيقدّم الجمال على الدين، ولهذا يروى عن السلف (ومن تزوج امرأة لحسنها لم يزده الله إلا دناءة) أما إذا اجتمع الجمال والدين في واحدة فقد اجتمع الخير كله.

ولأن الأذواق مختلفة فيما يحبون أو يعجبهم من أشياء وأشكال، فمن محب لهذا الشيء ومكاره للشيء ذاته، فقد تعين وقوف الإنسان بنفسه على من يرغب فيه، وخاصة إذا كان الأمر ارتباطاً يفترض أن يكون دائماً غير منفصل، فمهما وصف له وبولغ في الوصف، وادعى الدقة المتناهية في النعت من قبل موهوب في البلاغة والفصاحة لا يمكن أن ينقل الصورة .

كما هي، وإذا نقلها واستطاع ذلك فإنه يعجز عن نقل معنى الجمال، وروح الصورة، ومدى انسجام الروحين ببعضهما، هذا لا يمكن التعبير عنه ابداً، وصدق المثل المعروف (ليس الخبر كالمعاينة). حتى الجمال الذي يبهر، والحس الأخاذ عند كثير من الناس لا يوافق البعض منهم عليه، ولا يشعر بالانجذاب نحوه أو بوثاقة الارتباط به، ذلك أن الحب ـ غالباً ـ لا يعتمد على شكل الصورة ومدى تفوقها في بديع الصنعة، وإنما يعتمد على سر مكنون، وخبر مكتوم لا يستطاع وصفه، ولا يمكن نعته.

ولا يخفى ان النظرة الأولى ـ فضلاً عن الثانية والتي بعدها ـ تبين للإنسان ـ الرجل والمرأة علي السواء ـ ما تخفي الصورة، فالنظرة العابرة تبدي للمرء الكثير من طبائعه وخصائصه كالشجاعة والذكاء والاتزان وغيرها، وكذلك أضدادها، ولهذا قيل:

عيناك قد دلتا عيناي منك على

أشياء لولاهما ما كنت تبديها

فأنت وما تملك من طبائع تستطيع أن تبحث عن إلفك الذي تركن إليه، وتشتاق لمرآه، وغالباً ما تكون مجموعة الطبائع لا تأتلف إلا مع جملة الطبائع نفسها، وان اختل منها خلق ما كان هذا أدعى إلى النفور بقدر عظم الفرق أو دقته، وأنت اذا نظرت إلى من طبق هذه السنة تراهم أسعد الناس في العشرة، وأطيبهم في الألفة.

وأكملهم في الانسجام، ولا تنس أن بعض من يقوم بهذه السنة لا يقوم بها بتمامها، ذلك أنه يجعل هذه الرؤية تماشياً مع عادات الناس وما تعارفوا عليه، وإذا ما حدثه قلبه عن نفور ولو كان قليلاً لم يلتف إليه وقال:

رضيت بنصيبي الذي ساقني الله إليه، ولم يدر هذا أو هذه أن الحياة في المستقبل تتكدر أحياناً على من اكتملت الألفة بينهم على التمام، وأما من تقاصرت رتبة الألفة بينهم عن ذلك فإن الخطر يكون أعظم، والوحشة إليهم أقرب، قد أشار لهذا المعنى الإمام الأعمش فقال: كل تزويج يقع على غير نظر فآخره غم وهم.

فالسنة السنة، والشريعة الشريعة، لأنها حياة لنا، وخير لنا، وهي الوسط العدل بين إفراط وتفريط، بين إفراط المتناسين لتطبيقها، وبين تفريط المتمادين، والمتجاوزين لما لا يحل لهم كالخلوة وغيرها، وكلاهما شر مستطير، ومال للخطر كبير.

ولقد أجمل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحكمة ببلاغته وحسن فصاحته فقال: (انظر إليها، فإنه عسى أن يؤدم بينكما) فسلام الله عليك يا معلم الناس الخير.

زكريا الطحان