يقول الله تعالى: «ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتًا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير» الآية (البقرة:265).
يبين الله في المثل السابق مصير المنفقين ابتغاء أهوائهم النفسية في حب ثناء الناس عليهم، والعمل لمرضاتهم، والبعد عن الجانب الأهم وهو التجرد في الأعمال لله عز وجل، فكانت النتيجة كما مر بنا خسرانًا في الدنيا وإحباط عمله في الآخرة. فماذا حقق؟ وماذا استفاد؟
في مقابل هؤلاء الناس آخرون طبعوا على خلال الخبر، يحبون الخبر ويعملون به وله، ابتغاه مرضاة الله، لأن هذا هو الأمر المدخر لهم في الآخرة، وتثبيتًا من أنفسهم لتعويدها على البذل والكرم، والجود والسخاء، وأن المال وإن كان شقيق الروح، فهو طريق لخدمة الناس ونفعهم، والرسول عليه السلام مدح المال الصالح للرجل الصالح، وفرق بين البخيل والمنفق، هذا في الثريا وذاك في الثرى، ومتى يلتقيان؟
وهناك حديث عن الرسول الكريم يعرض في صورة مثل عن البخيل والمنفق حتى تتضح حقيقة هذا وصفة ذاك. يقول الرسول الكريم في حديث رواه البخاري في صحيحه: «مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها فلا تتسع». رواه أبو هريرة.
يعلق الإمام الأكبر الشيخ الراحل محمود شلتوت شيخ الأزهر الشريف على الإنفاق في سبيل الله على ضوء الآيات 265، 262، 261 من سورة البقرة فيقول: فهذه مكانة الإنفاق في سبيل الله، وهذه عدة الله الصادقة لمن يجود بماله في سبيله، وهما كما نرى مكانة وعدة لم يحظ بهما شيء من التكاليف الإلهية، سوى الإنفاق، فالصلاة على مكانتها في الدين.
وعلى أنها الركن الذي يلي الإيمان، لا تقع موقعها إلا إذا دفعت بصاحبها إلى القيام بحق الفقير والمسكين، وكذا الصوم والحج، لا نجد لهما في ترغيب القرآن وترهيبه مثل ما وجدناه للإنفاق في سبيل الله، فهل لنا أن نقرر أن الإسلام لا يقيم وزنًا لشيء من تكاليفه، إذا لم تغرس في قلب المسلم عاطفة الرحمة، مبعث الإنفاق والبذل والعطاء؟ نعم هذا هو ما اعتقده وهو ما يدل عليه القرآن الكريم.
ولابن قتيبة تعليق جميل على هذا المثل يقول فيه: ثم ضرب مثلاً للمخلصين، فقال: «مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتًا من أنفسهم» أي تحقيقًا من أنفسهم فقال: «كمثل جنة بربوة» وأحسن ما تكون الجنان والرياض على الربا، «أصابها وابل»، وهو أشد المطر، فأضعفت في الحمل، ثم قال:
«فإن لم يصبها وابل فطل» أي: أصابها طل، وهو أضعف المطر فتلك حالها في النزل وتضاعف الثمر لا ينقص بالطل عن مقدارها بالوابل، وأن هذا المثل الذي صور المعقول في صورة المحسوس يلفت النظر إلى آيات الله في الكون ومنها إحياء الأرض الميتة بالزراعة، ويضيف إلى هذا كيف تتضاعف الثمرات.
ويقول الشيخ خلف محمد الحسيني: إن هذا المثل المحسوس يلفت الأنظار إلى الزراعة، وكيف يتضاعف ثمرها إذا كانت في ربوة أي أرض مرتفعة، لأن ارتفاعها يساعد نباتها على أن يأخذ ما يفتقر إليه من الهواء وأشعة الشمس الكافيين ومن الماء، ولا سيما ماء المطر الوابل أي الكثير أو الطل أي القليل أو الرذاذ.
ويبدو من هذا المثل أن من أساليب الري النافعة للنبات أسلوب رش النبات من أعلاه بالماء، وها هم أولاء علماء النبات والزراعة، قد اهتدوا حديثًا إلى هذا الأسلوب الذي أشار إليه القرآن منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان.... ثم يوضح معنى «فآتت أكلها ضعفين» أي أعطت ضعفي ثمر غيرها من الأرضين، فالوصف للربوة يدل على مدحها وكرم تربتها وطيبها.
فهي إن لم يصبها وابل فطل يكفيها ويقوم مقام الوابل في إخراج ثمرها ضعفين لخصوبتها، يعني أن المنفقين لوجه الله المخلصين له تنمو نفقاتهم ويضاعف الله ثوابه، كما ينمو نبات الجنة بالربوة الموصوفة.
ويقارن د.محمد رجب البيومي الأستاذ بجامعة الأزهر بين المرائي والمخلص فيما قدما من إنفاق وبذل فيقول: فإذا تركنا هذه الصورة الشائهة لذوي الزلفى من الأدعياء فسنجد مقابلاً لها صورة وضيئة لقوم أنفقوا أموالهم بالغة ما بلغت من القلة جهد طاقتهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتًا من أنفسهم، فكانت صدقاتهم الصادقة الخالصة كجنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين، فإن لم يصبها وابل فطل، إنك حين تريد أن تمدح هؤلاء أطيب المدح لا تجد أبلغ من أن تقول عن أحدهم جنة بربوة، أما قول الله:
«فإن لم يصبها وابل فطل» فمن أحسن القول وأبلغه، إذ يدل على أن الخير الضئيل، إذا صدر عن سماحة شاكرة لا تملك ما تمنح منه، الكثير حل محل الكثرة الهاطلة من ذوي الخير الماطر، والسبب المتقاطر لأن الأعمال بالنيات ولن يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها.
ود.محمد حجازي يوضح حقيقة المثل فيقول: مثلهم كبستان ذي أشجار ملتفة قد كست الأرض، وهو بمكان مرتفع، متمتع بالشمس والهواء ينزل عليه المطر الغزير فيثمر ضعفين من ثمر وأمثاله، وإذا نزل عليه مطر بسيط أثمر، وذلك لجودة تربته ونقاء منبته، والمعنى في هذا التمثيل، أن المنفق لله وفي سبيله وهو يقصد تثبيت نفسه على الخير كالأرض الجيدة التربة العظيمة الخصبة.
فهو يجود بقدر سعته وما في يده فإن أصابه خير كثير أنفق كثيرًا، وإن أصابه قليل أنفق على قدر سعته فخيره دائم وبره لا ينقطع كالبستان، يثمر مطلقًا إذا نزل عليه مطر كثير أو قليل، ولكن «من» في قوله تعالى: «وتثبيتًا من أنفسهم» ماذا تفيد وهي كما نعلم حرف جر؟ أتفيد الابتداء أم التبعيض أم غيرها.
ويجيب الإمام الألوسي على هذا فيقول: «وتثبيتًا من أنفسهم»، أي ولتثبيت أو مثبتين بعض أنفسهم على الإيمان- فمن تبعيضية- كما في قولهم: هز من عطفيه وحرك من نشاطه فإن للنفس قوى بعضها مبدأ بذل المال، وبعضها مبدأ بذل الروح، فمن سخر قوة بذل المال لوجه الله تعالى، فقد ثبت بعض نفسه، ومن سخر قوة بذل المال وقوة بذل الروح، فقد ثبت كل نفس، وقد تجعل مفعول تثبيتًا محذوفًا أي تثبيتًا للإسلام وتحقيقًا للجزاء من أصل أنفسهم وقلوبهم- فمن- ابتدائية كما في قوله تعالى:
«حسدًا من عند أنفسهم» ويحتمل أن يكون المعنى وتثبيتًا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه ويعضده قراءة مجاهدة «وتبينًا من أنفسهم».
ويجوز أن يكون «من» بمعنى اللام، والمعنى توطينًا لأنفسهم على طاعة الله تعالى، وإلى ذلك ذهب أبو علي الجبائي- وليس بالبعيد- وفيه تنبيه على أن حكمة الإنفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال الذي هو الداء العضال والرأس لكل خطيئة.
وهنا يرد سؤال عن معنى التبعيض أورده الزمخشري وأجاب عنه فقال: قلت معناه إن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه فهو الذي ثبتها كلها؛ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والمعنى ومثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله «كمثل حبة» وهي البستان «بربوة» بمكان مرتفع، وخصها لأن الشجرة فيها أزكى وأحسن ثمرًا.
وابن كثير يقول عن «كمثل جنة بربوة»: أي كمثل بستان بربوة وهو عند الجمهور المكان المرتفع من الأرض، ويبين أن فيها ثلاث لغات بفتح الراء وضمها وكسرها، ويقول البيضاوي: أي ومثل نفقة هؤلاء في الزكاة كمثل بستان مرتفع، فإن شجرة يكون أحسن منظرًا وأزكى ثمارًا، وقد ضرب بهذا المثل لعمل المؤمن كما جاء عن قتادة: هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن.
ذكر ذلك الشوكاني.ويعلل الغرناطي لجودة أرض هذه الجنة فيقول: لأن ارتفاع الجنة أطيب لتربتها وهوائها.
وهنا يرد اعتراض على هذا وهو أن المكان المرتفع لا يحسن ريعه لبعده عن الماء وربما تضربه الرياح، كما أن الوهاد لكونها مصب المياه، قلما يحسن ريعها فإذا البستان لا يصلح له إلا الأرض المستوية، فالمراد بالربوة أرض طيبة حرة تنتفخ وتربو، إذا نزل عليها المطر، فإنها إذا كانت على هذه الصفة كثر دخلها وكمل شجرها كقوله تعالي:
«وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، ومما يؤكد ما ذكرنا أن هذا المثل في مقابلة المثل الأول، فكما أن الصفوان لا يربو ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه فينبغي أن تكون هذه الأرض بحيث تربو وتنمو.
والرازي يورد هذا الاعتراض وهذا الإشكال كما ذكره النيسابوري، ثم يقول في ختام هذه الإشكال: فكأن المراد بالربوة في هذا مثل كون الأرض بحيث تربو وتنمو، فهذا خطر ببالي، والله أعلم بمراده.
ولكن لماذا سميت ربوة؟ يجيب الطبري لأنها ربت فغلظت وعلت من قول القائل ربا هذا الشيء يربو إذا انتفخ فعظم.
وما معنى «فآتت أكلها ضعفين»؟، أي أعطت صاحبها أو الناس ونسبة الإيتاء إليها مجاز، «أكلها» بالضم الشيء المأكول والمراد ثمرها وأضيف إليها لأنها محله أو سببه.. «ضعفين»:
أي ضعفًا بعد ضعف، فالتثنية للتكثير أو مثلي ما كانت تثمر في سائر الأوقات، بسبب ما أصابها من الوابل، أو أربعة أمثاله بناء على الخلاف في أن الضعف هل هو المثل أو المثلان، وقيل المراد تأتي أكلها مرتين في سنة واحدة، كما قيل في قوله تعالى: «تؤتي أكلها كل حين»، والوابل: المطر الغزير، والطل: الرذاذ من المطر وهو اللين منه.
والألوسي يعتبر هذا التشبيه من التشبيه المركب العقلي، هذا المثل صور عمل المخلص الذي يبتغي بعمله وجه الله، وهذا العمل لن يضيع وسيجده ذخرا يوم القيامة، هذا الجانب العقلي يراد له أن يقرب من الذهن فيصور بصورة المحسوس كأنه مجسم، فأنت عندما تنظر إلى هذه الصورة التي رسمها المثل تجدها صورة فاقت الحد وتجاوزت الخيال، وماذا بعد أن ترى المعقول في صورة المحسوس مشاهدًا مجسمًا إنها روعة التصوير القرآني.