ولد في تونس ببلدة نفطة وتعلم في الزيتونة وتخرج ودَرّس ثمة وتولى القضاء وانشأ مجلة «السعادة العظمي» وتنقل في البلاد فسكن دمشق واستقر في القاهرة حيث عمل في دار الكتب المصرية وفي الصحافة (رأس تحرير اكثر من مجلة) وصار من هيئة علماء الازهر ثم تولى مشيخة الازهر مدة واستقال منها. قال فيه الزركلي: كان هاديء الطبع وقوراً، وخص قسماً كبيراً من وقته لمقاومة الاستعمار.

ولمحمد الخضر حسين تآليف في الشريعة واللغة والأدب وشؤون الحياة منها «نقض كتاب في الشعر الجاهلي» رداً على طه حسين وتصحيحاً لاوهامه وكان الشيخ الخضر عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة وفي مجمع دمشق. وفي ترجمته ان الاستعمار حكم عليه بالاعدام فكان هذا سبب هجرته الى دمشق واستمراره في الكفاح بوسائل شتى. ومن شعره وقد مرض في القاهرة سنة 1343هـ (تقابل 1924م)

أطل علي الموت من خلل الضنا

فآنست وجه الموت غير كئيب

ولو جس أحشائي لخلت بنانه

وإن هال اقواما بنان طبيب

فلا كان من عيش ارى فيه امتي

تساس بكفي غاشم وغريب

وفي هذه الابيات معان تتردد في شعره فقد كان يجمع العلم الى العمل ولم ينس قضية الامة التي انضوى تحت لوائها ومن ذلك قوله من قطعة عنوانها (الاحرار):

أبى الاحرار ان يحنوا رؤوسا

على هون فتركبها العيوب

وقالوا عزة الاوطان ألاّ

يقوم من العدا فيها رقيب

وأشقى الناس احرار تولى

شؤونهم على رغم غريب!

ومن هنا كان منهجه في الشعر واضحاً:

وانفع الشعر ما هاج الحماسة في

شعب يقاسي اضطهاد الجائر الأشر

لو لم اخف وخز تثريب يصول به

عليّ ناقد شعر من بني مضر

لقلت لا شعر الا في قريحة من

يبيت من شقوة الاوطان في سهر

فالشعر عنده التزام كما هي الحياة نفسها. وقد صور الشاعر نفسه بالكلمات بنبض الشعر وهي صورة تأتلف مع رجل يلبس ملابس الفدائي قبل ان تأتلف مع ملابس العلماء والفقهاء.

بين الجوانح همسة

تسمو الى امد بعيد

نهضت كما تبغي العلا

والعزم كالسيف الفريد

واذا لم يكن الشعر بضاعة الشيخ الخضر الاولى فان شعره ليس بشعر الفقهاء وفي اكثره حيوية ولفتات شعرية فنية تحسب له. ومن شعره في الصورة والتصوير بيتان بناهما على تورية خفيفة لطيفة لكنها لاذعة قاصدة وهي خطاب لرجل لم يذكر اسمه صور في نفسه الهدى ضلالا وصور الضلال رشادا وقال: لا غرابة في ذلك فان المواد الكيماوية تقلب (على ورق التصوير الخاص) فتجعل السواد بياضا والبياض سوادا في اشارة الى الصورة السلبية «نيجاتيف» Negative والأخرى الايجابية (بوستيف)ِrVITISO.

عذرتك اذ صورت نفسك في الهدى

ضلالا وصورت الضلال رشادا

فان زجاحات المصور تقلب السّ...........

وادَ بياضا والبياض سوادا!

وقال في قطعة أخرى ان صورة الحبيب الغائب التي يفترض ان تطفيء الشوق ولو قليلا هي على العكس تزيد من اشواق المجد وتزيد وجده على الغياب وجدا قال:

حنانيك ما التمثال باعث سلوة

اذا غاب عن عين المحب حبيب

اسيم به طرفي لاطفيء لوعة

فيزداد في قلب المشوق لهيب!

ويقول انه يعرض صورة الحبيب على عينيه (يتأمله ويتملاه) ليهدأ شوقه فاذا بالشوق يتقد ويزداد.