عن أبي هريرة رضي الله عنه انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها فجعل يترعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها «صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم» رواه الامام البخاري في صحيحه.
الرسول صلى الله عليه وسلم بعثه الله رحمة للعالمين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا». ان هذا النبي العربي المكي الزمزمي القرشي يصور نفسه والأمة برجل استوقد ناراً جاءت عليها تلك الأشياء من فراش ودواب وأرادت ان تقع فيها والحبيب المصطفى هو الذي يصدنا عن النار ويمنعنا من الوقوع فيها انه يخاف علينا أكثر من خوفه على نفسه بالمؤمنين رؤوف رحيم جزاه الله خيراً.
الملاحظ ان معظم الأحاديث التي تبدأ بصيغة (مثل) تقدم لوحة كاملة فتستعرض حركات متعددة وأمكنة متعددة مع زمن هذه الحركات والحجز جمع حجزه وهي معقد الازار وهي كلمة كني بها عن حرصه الشديد عليه الصلاة والسلام على منع أمته من الاتيان بالمعاصي والمنكرات مما يؤدي بهم إلى نار جهنم كما ان التعبير بالأخذ (آخذ بحجزكم) يوميء إلى شدة التمسك فتنقطع الحركة عن مكان الدخول وتدل هذه العبارة على تثبيت المشهد امام البصر بعد رسمه واستحضاره بفن الكلمة مما يجلي حالة القلق النفسي عند المذنب لحظة اقتراف الذنب.
وتبدأ معالم هذه اللوحة بإضاءة نارية ثم بحركة ترامي الفراش والحشرات الطيارة في النار وتلك حشرات تخدع بضياء النار فتحترق فيها مما يمثل انخداعاً بلذائذ المعاصي وبهارجها وقد جاء المضارع مستحضرا لحظات طيش هذه الحشرات وموتها. والحركة الثانية هي الإبعاد وهي قوة دافعة امامها قوة مضادة هي الاقتحام في النار بعد الغلبة والاقتحام حركة سريعة عنيفة لا تريث فيها ولا تعقل وكأنما يتسرب الجسد مسرعا إلى النار فلا يتسنى للنبي الأكرم عليه الصلاة والسلام الا التمسك بالوسط ليحد من الاندفاع إلى النار إذ لا يستطاع حينذاك استمساك غير هذه المنطقة.
والجدير بالذكر ان النص ينقلنا من مكان ضيق حيزه بين الفراش والنار الى مكان عريض يختصر مكانه وزمانه يكون بين مكان اقتراف الذنب في الدنيا ونار جهنم في الاخرة التي عبرت أيضا عن نار الشهوة والغضب وغير هذا من المعاصي. وقد تبدي بفعل الزمن التجاوز والتناوب في هذه المشاهد زيادة على تجاور الجزيئات في فن الرسم للحديث النبوي الشريف.