جاءت ألفاظ «أفلا يتفكرون» أو «أفلا يتدبرون» أو «أفلا يعقلون» وجاء النداء بـ «يااولي الألباب» وهي العقول، وأولو الألباب بالطبع: أصحاب العقول، جاءت هذه الألفاظ في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، إشارة إلى ان هذا الإنسان المكرم عند الله دون سائر المخلوقات الأخرى، قد وهبه الله هذه الجوهرة الثمينة «العقل» التي يتصرف بها التصرف الأمثل لما وهب الله لهذا العقل من ميزة الإدراك والمعرفة،

وبهذا العقل يستجيب الإنسان لمقتضيات التكاليف، والدليل على ان الصغير الذي لم يبلغ الحلم ولم ينضج عقله ليس مكلفاً، وكذلك المجنون، وان الإدراك والتمييز عنصر أصيل في فطرة الإنسان من داخله، ومن هنا يتضح ان هذا العقل هو مناط التكليف، وبالتالي بالإدراك العقلي وتمييزه يكون الاختيار حراً، ثمرة التفكير والتدبر الذي يفضي بالطبع إلى الأفضل «أو لم يتفكروا في أنفسهم» سورة الروم ـ الآية 8، و«سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق» سورة فصلت ـ الآية 53.

وهذه الآيات الكونية التي يراها الإنسان المكلف العاقل، التي تقوده إلى الاختيار الحر الصحيح قال تعالى: «وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يذكرون» سورة النحل ـ الآيتان 12ـ 13، وكثيرة هي هذه الآيات الكونية المبثوثة في القرآن العظيم. وهذا العقل الذي هو أثمن جوهرة عند الإنسان به كرمه الله وميزه مطلوب منه ان ينميه تعليماً فالعالم أفضل من الجاهل دون أدنى شك، بل هو أفضل من العابد، فرب عابد لا يكون على مستوى المفكر العالم.

وتحضرنا قصة ذلك الرجل ممن قبلنا ـ على ما ورد في القصص النبوي ـ الذي قتل 99 نفساً ثم أنبه ضميره فسعى يلتمس عند رجل عابد في صومعته هل من سبيل إلى مغفرة من الله فسد ذلك العابد الأمل في وجه الرجل وقال له لا سبيل لك، وفي غمرة ذلك اليأس قتل العابد وأكمل به تمام المائة، ثم توجه الى عالم يستنجد به واخبره انه قتل مئة فهل من رجاء في المغفرة فقال له ذلك العالم بما معناه ان لا يأس من رحمة الله وأمره أن يترك أرض السوء تلك ويذهب إلى أرض كذا،

فشد الرجل الرحال إلى تلك الأرض التي أشار عليه العالم أن يذهب إليها، ولكن وفي الطريق أدركته المنية، فتنازعه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، هؤلاء يقولون انه قتل أنفساً بغير حق، وهؤلاء يقولون بل انه قاصد إلى ربه تائباً منيباً، فاتفقوا على ان يقيسوا المسافة بين أرض الجريمة وأرض المتاب، فان كانت المسافة التي قطعها الرجل من أرض المهرب أقل من المتبقي إلى أرض المطلب، أخذته ملائكة العذاب ليعذب، وان كان الأمر عكس ذلك، أخذته ملائكة الرحمة.

وكانت المسافة التي قطعها الرجل من مهرب جريمته أقل من التي يقصدها لتوبته فسوى الله الغفور الرحيم الرؤوف بعباده، والذي يفرح بتوبة عبده الصادقة (كما في حديث نبوي شريف آخر) تلك المسافة البعيدة من أرض التوبة لتكون أقل من أرض الجريمة وهكذا أخذت ملائكة الرحمة الرجل إلى حيث يتمتع برحمة ربه، هذا هو المعنى الوارد في تلك القصة وليس النص بحذافيره. هذا ولابد ان ذلك العالم بعلمه أدرك ان لا قنوط من رحمة الله الواردة في كتبه السماوية، ولربنا نحن المسلمين في قرأننا. قال تعالى: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، ان الله يغفر الذنوب جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم» سورة الزمر ـ الآية 53.

وفي فضل العلم الذي هو زينة العقل، والعقل وسيلة الحرية الأولى به يختار الإنسان العاقل ما يسعده أو يشقيه، في فضل هذا العلم الذي تكون به تنمية العقل وردت كثير من الآيات التي تشير إلى فضل العلم منها على سبيل المثال لا الحصر، قوله تعالى: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات» سورة المجادلة ـ الآية 10 وقوله تعالى: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» سورة الزمر ـ الآية 9. وقال تعالى: «إنما يخشى الله من عباده العلماء» سورة فاطر ـ الآية 8، وقال تعالى: «وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون» سورة العنكبوت ـ الآية 43 وهكذا.

بالعقل الذي ميز الخالق سبحانه الإنسان عن سائر المخلوقات، تنبثق الإرادة الحرة والاستطاعة وهي متطلبات توفر ممارسة الحرية عند الفرد المسلم، وهي الوسائل لهذه الحرية التي تجعلها راسخة وهي متلازمة مفهوم الحرية والاختيار والتكليف. فإذا انتقلنا من وسائل الحرية هذه وهي العقل والإرادة والاستطاعة نجد ان عناصر الحرية في الإسلام وفقاً لهذه الوسائل تبدأ أولاً بالمسؤولية الفردية، فالوسائل المذكورة تخص كل فرد،

من هنا تنبع المسؤولية الفردية كعنصر أولي له أهميته الكبرى في معنى الحرية اذ لا حرية بدون استشعار هذه المسؤولية التي ان أهملت انعكس ذلك سلباً على المجتمع كله، والشعور بالمسؤولية الفردية يعني الإخلاص في العمل وجودته واتقانه، وبالضرورة يكون ذلك في مصلحة المجتمع الإسلامي، ترابطاً وتعاوناً والفة ومحبة واخاء، وهذا ما عرف عن السلف الصالح وقرون الخير والبركة والنماء التي ارتقت فيها المجتمعات الإسلامية ارتقاء أدهش العالم من حولنا.

والعنصر الثاني من عناصر الحرية في الإسلام هو معرفة الذات، إذ لا يمكن ان يتذوق الحرية ويتمتع بطعمها من لا يتوصل إلى فهم ما يتعلق به هو شخصياً نفسياً وجسدياً، ان معرفة الإنسان لنفسه خطوة مهمة لمعرفة المعنى الصحيح للحرية، ولذا حفل القرآن الكريم بالتوجهات التي تعرف الإنسان بذاته وقد صنفت مؤلفات عدة فيما يختص بـ «الإنسان في القرآن».

اما العنصر الثالث فهو معرفة الكون، كل ما يتعلق بهذا الكون من فلك وكواكب وملاحة ورياح وطبقات الأرض والجبال وما إلى ذلك والآيات الكونية يحفل بها القرآن الكريم لتزويد الإنسان المسلم الحر بهذه المعرفة الكونية وختام عناصر الحرية في الإسلام تكريم الإنسان عموماً قال تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم» الآية 70 من الإسراء