هكذا نتابع رواد التنوير وزعماء الإصلاح وقادة النهضة وعلماء الأمة في طابور طويل، يعبرون عن وجهة نظرهم بكلمات بينات، تحمل في باطنها معنى التغيير وأمل التقدم ورجاء التطور هذا في مجال الدين، ينشد نهضة أمته فيجد ذلك في الينابيع الصافية من القرآن والسنة وعقلانية العلماء، فيعترف ما شاء له الاعتراف، ويحث أمته على الري من هذا النبع.
هذا ما رأيناه عند عبدالرحمن الكواكبي في دعوته إلى الجامعة الإسلامية والدعوة إلى الحرية ومحاربة طبائع الاستبداد، وهذا ما سمعناه من شكيب أرسلان، وقد أهمته أمراض الأمة وتخلفها فظل يبحث عن سبب تخلف المسلمين وتقدم غيرهم. لعله يجد إكسير الحياة أو دواءً شافياً من جهلها وتخلفها.
وهذا ما نهض به عبدالحميد بن باديس في الجزائر حينما أنشأ جماعة العلماء ووحد الجزائريين صفاً واحداً في مواجهة الاحتلال الفرنسي تحت راية الإسلام واللغة العربية. ولا يتوقف النهر الدفاق بالعطاء، فهذه الأرض مليئة بالخيرات والرجال والأفكار. في أحلك الظلمات ينبلج النور وينشق عن فجر جديد.. وهذا ما رأيناه عند التيارات الفكرية المصرية في منتصف الخمسينات التي تصدت للتيار الإلحادي الذي انتشر ورفع صوته في عشرينات القرن الماضي.
أما في مجال السياسة فأعتقد من أفضل الكلمات التي سمعناها في منتصف القرن الماضي جاءت في مقولات عبدالناصر التي أطلقها تباعاً على حسب المناسبات السياسية والاجتماعية والدينية فلبت أشواق الجماهير للنهضة واستقطبت الملايين صفاً واحداً ضد الاستعمار في هتاف متواصل سعياً للتقدم وطلباً لمستقبل أفضل، لقد كانت كلمات عبدالناصر تمس شغاف القلوب،
وتلمس عصباً حساساً عند ملايين العرب حينما كنا نسمع خُطبه وهو يسعى سعياً حثيثاً وجريئاً يرسم أبعاد مشروعه الحضاري ويخاطب الإنسان العربي قائلاً: «ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد» كانت غايته تحرير إرادة الفرد من الفقر والقهر والتخلف والجهل والمرض والألم، واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان والإعلاء من كرامة المواطن الكرامة شيء عزيز المنال، أن تشعر أنك حر كريم لا يظلمك أحد ولا تخفض رأسك خوفاً من أحد أو تستذل لأحد، إنسان أو دولة.
ووفى بوعده فحرر إرادة الفرد من مجتمع النصف في المئة ومن نير المحتل الغاصب واستغلال الاستعمار واستنزافه لثروات الأمة العربية وتحقق ذلك في صيحته المدوية «على الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل» نعم رحل الاستعمار من قناة السويس بعد احتلال دام أكثر من سبعين عاماً، ورحل الاستعمار من السودان وليبيا وتونس والجزائر واليمن ودول الخليج جميعاً،
وحصلت جميع الدول العربية على الاستقلال من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وتحررت إرادة شعوبها وانضمت تباعاً إلى جامعة الدول العربية التي أنشئت عام 1945م وأصبحت بمثابة البيت العربي الذي يجتمع فيه القادة الرواد لجمع شمل الأمة وحل مشكلاتها في التنمية والتعليم والزراعة والصناعة.
د. محمد الزيني