هو محمد إقبال محمد نور محمد رفيق.. ولد في مدينة (سبالكوت) في 22 فبراير 1873، وحفظ القرآن صغيرا، وعندما درس الفلسفة في جامعة لاهور، شجعه أستاذه المستشرق الانجليزي توماس أرنولد على أن يتم دراسته في الخارج، فدرس في كمبردج وميونخ.. الفلسفة والقانون، وعاد إلى بلاده ليدرس الفلسفة والقانون، ويشتغل محاميا في نفس الوقت..
وما لبث ان تفرغ للقانون من أجل حماية الحقوق والدفاع عن المظلومين من أبناء شعبه، ثم اختير رئيسا لحزب مسلمي الهند ورئيسا لجمعية حماية الإسلام، ومع بداية عام 1930 أخذ إقبال ينادي بضرورة تقسيم الهند إلى دولتين، تضم واحدة منهما المسلمين، وظل يردد هذه الفكرة، حتى أنشئت دولة باكستان عام 1947..
وكان يرى أن المؤمن الحقيقي هو الذي يستقبل الموت وعلى شفتيه ابتسامة.. وبانتهاء حياته كان ترك أحد عشر كتابا مؤلفا كلها أشعار تحمل فلسفته وإشراقاته عدا كتاب واحد.. وفي عام 1928 دعت جمعية مسلمي مدراس محمد إقبال، لإلقاء سلسلة من المحاضرات في مدراس ـ مدينة هندية ـ عن الإسلام.. وفي أواخر ديسمبر عام 1928 ذهب اقبال إلى هذه المدينة، وألقى ثلاث محاضرات فيها، هي جانب من كتابه «إعادة الفكر الديني في الإسلام»!
ولقيت محاضراته ترحيبا مذهلاً كتبت عنه إحدى صحف مدراس، وكانت أعظم صحفها: (تاميل نادو): اليومية تصور: (كيف تجمع عدد غفير من الهندوس والمسلمين في قاعة كوكهلي بمدراس يوم السبت الخامس من هذا الشهر (يناير 1929) لسماع حديث السير محمد اقبال، عضو المجلس التشريعي المركزي.. وعلى الرغم من ان الحديث كان مقرراً له الساعة السادسة والربع مساء إلا ان القاعة اكتظت عن آخرها قبل الموعد المقرر..
وكما هي العادة في الاجتماعات العلمية، فقد طلب جناب عميد حسن من الدكتور (ب. سبارويان) ان يترأس الاجتماع. وان يقدم السير محمد اقبال للحاضرين وأعلن رئيس الجلسة: «إن تعيين غير مسلم (يريد نفسه) لرئاسة اجتماع كهذا، كان مفاجأة لي. ومع ذلك فإني كهندي مؤمن بوجود إله مشترك قد خلق العالم بأسره، قد أتاح لي ـ (الاجتماع) ـ سعادة فائقة وفرصة لأتعلم المبادئ الرئيسية للإسلام..
ولقد كانت عقيدة الحكماء والأدباء، سواء كانوا هندوساً أو مسلمين أو مسيحيين، إن كل الأديان تؤدي إلى طريق واحد.. نفس الطريق.. طريق الحق.. وكل الأديان تبشر بالحق.. ومن المعترف به أن تعاليم الإسلام قد علمت العالم مفهوم الأخوة والتآخي، فليس هناك فرق بين البشر في هذا العالم، وهنا قد علم الإسلام الهند كلها درساً، ألا وهو أن كل البشر متساوون»!
وفي يوم الاحد الثامن من يناير 1929 ألقى اقبال حديثه الثاني عن: «التجربة الدينية» وزار اقبال بنكلور في إمارة ميسور فقوبل باستقبال رائع، ولبى دعوة المهراجا حاكم الإمارة لإلقاء المحاضرات في جامعة ميسور.. وقد أعلن أستاذ هندي أنه: «إذا فاخر المسلمون بأن إقبال هو أخوهم في الدين، فإننا نفاخر بأن اقبال هندي».. وكتب اقبال نفسه إلى صديقه جميل: «إنني سعيد ان أسمع أن زيارتي إلى ميسور قد تثبت الحماس للبحث العلمي التاريخي، لدى الشباب المسلم»!
وزار اقبال قبر السلطان حيدر علي، وقبر ابنه السلطان تيبو الشهيد، في سرنيجاباتام، وكان اقبال من المعجبين به، ويراه مثالا تاما للمؤمن الحق الذي يتصوره في مخيلته.! ومن هناك ذهب إقبال إلى حيدر أباد (دكن) حيث ألقى بضع محاضرات، وقد أقيمت له احتفالات كبرى في كل مكان حط به، وانهالت عليه خطابات الترحيب، ووقف الصبيان في صفوف منتظمة ينشدون النشيد القومي، الذي وضعه اقبال.. ونزل اقبال في ضيافة نظام حيدر أباد..
وفي أوائل نوفمبر 1929 أتم اقبال محاضراته التي أعدها ليلقيها في عليكرة في ذلك الشهر دعته الجامعة العثمانية لإلقائها في حيدر أباد في نهاية يناير 1930 كما دعته مدراس أيضا لإلقاء هذه المحاضرات.. وهذه المحاضرات التي ألقاها إقبال في مدراس وعليكره وحيدر أباد هي التي جمعها في كتاب بالانجليزية ونشره تحت عنوان: «إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام)!
وقام اقبال بعد ذلك بجولة زار فيها ايطاليا، بعد ان زار فرنسا والتقى بالفيلسوف برجسون ورغم ان الفيلسوف كان على فراش المرض، إلا أنه سمح له وحده أن يظل معه ساعتين، وطارحه الحوار حول الإسلام، فصحح له اقبال ما بفكره عن الإسلام ومعطياته الفكرية، وفي ايطاليا التقى بالزعيم (موسوليني) وألقى محاضرة في روما شرح فيها حركة الإسلام نحو الغرب، وحركة روسيا نحو الشرق، مع توضيح المصير الذي تواجهه الحضارة الحديثة، وبين العلاقات الحادثة بين انجلترا والعالم الإسلامي!
وذكر اقبال ان هناك ثلاث قوى في عالم اليوم: الحضارة الغربية، الشيوعية، الإسلام، فأما الحضارة الغربية فتقوم على الاستلهام من المسيحية، والأسلوب العلمي والسيادة على الطبيعة، وقد أفصح في هذا المجال عن موقف الإسلام من الأسلوب العلمي، كذلك تقوم الحضارة الغربية على الفصل بين الكنيسة والدولة، وقد شرح ذلك في تطور النغمة الأخلاقية للحضارة الغربية، وتطور القومية المعتمدة على الحدود حتى سنة 1914! وأما عن الشيوعية فتحدث عن مؤسسيها، ماركس وهيجل، ثم عن تجاهل الشيوعية للدين، وتصاعد المادية كفلسفة للحياة!
وانتقل بعد ذلك اقبال للحديث عن الإسلام، وبين ان عماده شهادة ان لا إله إلا الله، وان محمداً رسول الله.. وكشف عن أسباب وضعه الحالي المتصدع والآراء المختلفة في ذلك، وأبان عن جوهر العظمة في الإسلام، وانه أسلوب للإشعاع الذاتي من ناحية، وانه من الناحية الأخرى تجربة اجتماعية، عمدت إلى إزالة رابطة الدم كمبدأ للوحدة الاجتماعية.. وأبان عن معنى الصلاة والعبادات ومضمونها الاجتماعي، ثم شرح الاشتراكية التي قدمها الإسلام فجاءت خير منهج للمجتمع، وابرز كيف ان التصوف ليس معناه الحقيقي الاستكانة وإنما اكتساب القوة وتنمية الذات: «قد افلح من زكاها، وقد خاب من دساها»!
وتحدث اقبال بعد ذلك عن بداية البعث الإسلامي، في العصر الحديث في سنة 1799 عندما تحرك السلطان نيبو للجهاد ضد الانجليز في الهند. وفي سنة 1827 عندما دارت معركة نوارين بين الترك والقوى الغربية، وانه منذ ذلك الوقت ظهرت حركات اصلاحية منها الوهابية والبابية ـ (لم يظهر للسيد اقبال ما وراء البابية من مؤامرات على الإسلام والمسلمين وكفر صريح به) وحركة السير سيد أحمد خان،
وقال: ان حركة الإسلام نحو الغرب تعني إعادة السيطرة على الأمور! وفي القسم الذي أفرده من محاضراته عن انجلترا والإسلام، تحدث عن الناحيتين السياسية والاقتصادية، وعن التخوف الإسلامي، وأكد انه من أجل اكتساب (أمة) الإسلام يجب ان تتوفر الثقة. وأشار إلى مشاكل العالم الإسلامي في الهند وكشمير وفلسطين وبلاد العرب. وأعلن في ختام محاضرته ان الصداقة مع الاسلام أمر جدير بالسعي إليه.
وكانت هذه المحاضرة من المحاضرات التي ألقاها في القاهرة عندما زارها بدعوة من العديد من الهيئات الأدبية والسياسية ووجدت تقديراً كبيرا وترحيبا تاما! وفي أواخر سنة 1932 بعد ان حضر اقبال مؤتمر المائدة المستديرة الثالث، زار اسبانيا في طريق عودته حرصا منه على مشاهدة المعالم الإسلامية الأندلسية، وقد اهتزت مشاعره وهو يزور جامع قرطبة ويصلي فيه، فجاءت قصيدته الخالدة «مسجد قرطبة» من روائع الشعر العالمي قاطبة.. وقد ألقى في مدريد محاضرة عن: «العالم الفكري للإسلام وأسبانيا»..
وعقد الاجتماع في المبنى الجديد لكلية الفلسفة والآداب في منكلوا برئاسة المستر آسين بالاسيوس الذي قدمه للمستمعين.. وشرح اقبال في محاضرته تأثير الشعراء والفلاسفة وأسبانيا الإسلامية على التفكير الإسلامي حتى المشرق الأقصى، وذكر الاهتمام بدراسة هؤلاء الشعراء والفلاسفة في المشرق الإسلامي وخاصة ابن زيدون! واقتبس اقبال في محاضرته عن البيروني والمسعودي والكندي، وأشار إلى البحوث العديدة التي أجريت في هذا المجال،
وقد ذكرت إحدى الصحف الاسبانية ان اقبال يزور اسبانيا للسياحة ورغبة في الاتصال بالمفكرين الأسبان للمدرسة العربية، وتصحبه في هذه الرحلة ابنته الرقيقة، بيضاء الوجه ـ وهي بذلك تشبه أية أوروبية أخرى».. وما كانت هذه الفتاة ابنة اقبال في الواقع، بل كانت سكرتيرته الخاصة، وكانت فتاة انجليزية تخدمه، يقول اقبال: انها غيرت فجأة مسلكها نحوه، وبدأت تخدمه، أكثر من المراد منها من سكرتيرة خاصة، الأمر الذي جعله يسألها عن السبب في ذلك التغير المفاجئ لسلوكها، وقد كان ملحوظا للغاية: فأوضحت له أنها اكتشفت فجأة انه مخلوق إلهي!
وكان لزيارة اقبال لاسبانيا وقع رائع أخذت أصداؤه تتردد في عدة أشعار تضمنها ديوانه «بال جبريل» في قسم يكاد يكون خاصا بها، بدعاء (دعا) ثم (مسجد قرطبة)، يليها مفاجأته لمعتمد (اشبيلية) العربي، وهي صرخة المعتمد في السجن: (قيد خانه مين معتمد كي فرياد) ثم حديث إلى (أول نخلة غرسها عبدالرحمن الأول في بلاد الأندلس!
وقد مرضت زوجته مرضا أقعدها عن الحركة، ثم غادرت الحياة الدنيا إلى جوار ربها، فأثر ذلك فيه جدا ثم انتقل صديقه ورفيقه (رأس مسعود) فاعتبرها نكبة شديدة، وبدأت الإمراض تهاجم جسده مما أثر على حركته، وبرغم هذا لم ينقطع الاتصال بينه وبين القائد محمد علي جناح، وهو رفيق جهاده في سبيل اقامة دولة الباكستان المسلمة، وفي يوم 21 ابريل 1938 وفي تمام الساعة الخامسة والربع صباحا رحل اقبال إلى جوار ربه الرءوف الرحيم بعباده.
بقلم ـ علي عيد