الإنسان في هذه الحياة بين لذة وألم، واللذة سببها ثوران الشهوة أكلاً وشرباً وجماعاً ونحو ذلك، والألم سببه ثوران الغضب، ويأتي الصيام ويهذب هذه الغرائز فيصبح الإنسان معتدلاً، فلا تحركه الشهوة ولا الغضب لارتكاب ما يغضب المولى عز وجل، وبذلك يكون الصوم قد أدى دوره في جعل المسلم هادئ الطباع، لا يرد على السيئة بالسيئة بل يدفع السيئة بالحسنة، فإذا تعرض لإيذاء من أحد الناس، عفا عنه ورد عليه بقوله: إني صائم إني صائم، وهو يشعر في قرارة نفسه بحالة من الرضا والسعادة.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عزَّ وجل: كلُّ عمل ابن آدمَ له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنةٌ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث (أي لا يفحش في القول) ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه (رواه البخاري واللفظ له ومسلم).
فالصائم لكي تكتمل سعادته بصومه يترفع عن النوايا ويعمل على تزكية نفسه وتحليها بالكمالات والفضائل بغية طمأنة القلب لثواب الله تعالى. جاء في الأثر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يشاء، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون. وقال محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله، إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضب عن الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له.
وجاء رجل إلى سلمان، فقال: يا عبدالله أوصني، قال: لا تغضب قال لا أقدر، قال فإن غضبت فأمسك لسانك ويدك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاهُ الله على رؤوس الخلائق ويخيره من أي الحور شاء. المسلم في صومه يتحلى بالحلم دائماً لأن الصوم هذّب نفسه وكبح جماحها وجعله لا يحتاج إلى كظم الغيظ إلى ما تعرَّض لشيء يغضبه، والذي يهيج الغضب ويمنع من الحلم واللين التكبر والتجبّر ومن لم يتغلب على ذلك بالصوم وعمل الصالحات فمتى يقدر؟
كان من دعاء المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، اللهمَّ أغنني بالعلم وزيِّني بالحلم، وأكرمني بالتقوى وجملنّي بالعافية. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثٌ من كنَّ فيه آواهُ الله في كنفهِ وسَتَّرَ عليه برحمته وأدخلهُ في محبتهِ! من إذا أعطي شكر، وإذا قدر غفر، وإذا غضب فتر. (رواه الحاكم من رواية عمر بن راشد وقال صحيح الإسناد).
المسلمون يرحم بعضهم بعضا في شهر رمضان وفي غير شهر رمضان، لأنهم علموا فضل العفو والصفح وأن ذلك يجعلهم يعيشون في مودة وإخاء وتراحم وتعاطف وسرور، فلا يخضعون لوساوس الشيطان ومكره ويعملون على إزالة كل ما يسبب البغضاء و يثير الأحقاد أو يدعو إلى الغضب. روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابتغوا الرفعة عند الله، قالوا وما هي يا رسول الله؟ قال: تَصِلُ من قطعك وتعطي من حرمك وتحلم عمن جهل عليك.
فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما حلف أن لا ينفق على قريبه (مسطح) لكونه تكلّم في واقعة الإفك، نزل قول الله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. النور (22) روي عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الصدقة، الصدقة على ذي الرحم الكاشح (رواه الطبراني وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
ومعنى الكاشح: الذي يضمر عداوته في كشخه وهو خصره، يعني أن أفضل الصدقة على ذوي الرحم المضمر العداوة في باطنه. والشيء الذي يسعد الإنسان أن شهر رمضان تكثر فيه مجالس الصلح ويكون التوفيق بإذن الله لأصحابه، ترى لماذا؟ لأن الصوم كان له دوره في تهدئة النفوس ولم يصبح للشيطان عليها سبيل لأنهم ضيقوا مجاريه بالجوع ولأن الشياطين أو مردة الجن تصفد في رمضان، فيصبح الجو مهيأ للتصالح سواء على مستوى الأسرة الواحدة أو الأسر الكثيرة، ويصير الجميع إخوة متحابين متعاونين يرفرف عليهم السعادة وينمو المجتمع ويتقدم.
روي عن أبي أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا وقف العباد للحساب جاء قومٌ واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دماً، فازدحموا على باب الجنة، فقيل: من هؤلاء؟ قيل الشهداء كانوا أحياء مرزوقين ثم نادى منادٍ: ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة، ثم نادى الثانية: ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة؟
قال: ومن ذا الذي أجرهُ على الله قال: العافون عن الناس ثم نادى الثالثة: ليقم من أجرهُ على الله فليدخل الجنة. قال: ومن ذا الذي أجره على الله قال: العافون عن الناس ثم نادى الثالثة: ليقم من أجره على الله، فليدخل الجنة، فقام كذا وكذا ألفاً، فدخلوها بغير حساب. (رواه الطبراني بإسناد صحيح) قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. (آل عمران 133، 134). وقال تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. (البقرة237).
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في العفو عند المقدرة، عندما دخل مكة فاتحاً منتصراً لم ينسه الانتصار فضيلة العفو، وعندما قال: يا معشر قريش ما تقولون وما تظنون؟ قالوا: نقول خيراً ونظن خيراً، أخ كريم وابن عم رحيم وقد قدرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم. قال موسى عليه السلام: يا رب أي عبادك أعز عليك؟ قال: الذي إذا قدر عفا. وسئل أبو الدرداء عن أعز الناس، قال الذي يعفو إذا قدر، فاعفوا يعزكم الله.
وفي ختام اللقاء.. دعاء ورجاء: ـ إلهي، يا رزاق، يا كريم، ليسَ لي علمٍ بموضع رزقي، وإنما أطلبه بخطرات تخطر على قلبي، فأنا أعلم أن علمه عندك وأسبابه بيدك، وأنت الذي تقسمه بلطفك وتسببه برحمتك، فاجعل يا رب رزقك لي واسعاً ومطلبه سهلاً، ومأخذه قريباً، فجد عليَّ بفضلك يا كريم، اللهم احفظني كما حفظت الرُّوح في الجسد، ونجِّني وذريتي من شرِّ حاسدٍ إذا حسد، وارزقني يا رب راحة البال، ومالاً من حلال إنك أنت الله الرزَّاق الكريم.
حامد واكد