السؤال المهم الذي نطرحه على هؤلاء القراء وكل متلقٍ للمعرفة فهم بجهدهم يعكفون على القراءة ولكن هل يقرأ الواحد منهم سواء أكان هذا القارئ أم المتلقي للمعرفة مسلما أو غير مسلم من أصحاب الملل والنحل ليتعلم من خلال قراءته أو يتعلم ليقرأ. فإذا تعلم الإنسان القراءة لمجرد أن يقرأ فحسب أصبحت قراءته عديمة الفائدة والجدوى؛ لأن القارئ لم يوظفها توظيفا سليما تعينه على العمل والتطبيق في مجالات الحياة.
بل جعلها مجرد مادة للتسلية هذا هو محور الحديث عن القراءة الجادة والناجحة وثمرتها اليانعة فلا ريب أن الإنسان الذي يريد الفائدة الكثيرة من الغذاء الفكري للعقل يقرأ ليتعلم ويجني ثمرة علمه له ولأمته سواء كان ذلك عن طريق حلّ بعض مشكلات الحياة لذات الفرد أو الآخرين، وكذلك يقرأ الإنسان لتعلم العلوم المتعددة كوسائل الابتكار أو الإبداع في مختلف صنوف العلم الروحية أو الأدبية أو الفكرية أو المادية كالاختراعات العلمية خصوصا الصناعات الحديثة إن كان القارئ بطبيعة الحال من الموهوبين في هذا المجال ويميل ميلا كليا إليه أو من المفكرين..
ولا يكون هدف الإنسان من العلم القراءة وقضاء بعض وقت الفراغ دون الاستفادة منها فهذا المسلك لا يجني لصاحبه ولا لأمته أي فائدة تذكر ولا يكون له إسهام فعلي يقدمه للمجتمع والبشرية جمعاء. فكم من أناس قد سلكوا طريق العلم ونهلوا من المعرفة التخصصية أو غير التخصصية ولكن دون فائدة تذكر فلم يكن لعلمهم هذا الأثر العميق في تثقيف ذواتهم الشخصية أو المساهمة الجادة والفعالة في بث روح الوعي للآخرين من أفراد المجتمع ولربما كان هذا العلم وبالا عليهم وخسارة على مجتمعهم لأنهم لم ينتفعوا بما جنوه من العلم بشتى فروعه المختلفة الروحية والمادية.
ففقدوا لذة ما جنوه من العلم؛ إما بسبب مخالفتهم لما تعلموه، أو عدم تمرسهم في إتقان تلك العلوم المكتسبة فاكتفى بعضهم بما أخذه في دور العلم النظامية مثلا سواء أكان ذلك الأخذ تم في المراحل الدنيا أم المتوسطة أو العليا. هذا (وإذا كانت القراءة أهم وسيلة لاكتساب المعرفة الشاملة، وهي أحد أهم شروط التقدم الحضاري؛ فإن علينا ألا نبخل بأي جهد يتطلبه توطين القراءة في حياتنا الشخصية، وفي حياة الأمة عامة؛ فالمسألة ليست كمالية ولا ترفيهية، وإنما هي مسألة مصير.
فلا ريب أن يجعل المرء القراءة إحدى مفردات أعماله اليومية) ولن يكون ذلك يسيرا بطبيعة الحال على بعض فئات المجتمع لأسباب كثيرة: منها ظروف الأعمال اليومية المتراكمة عند البعض، وتقدم وسائل الاتصال المتنوعة وطرق المعرفة المختلفة، ولكن على الإنسان أن ينظم وقته ويتدارك الفائت منه فما لا يدرك كله لا يترك كله.
أما العنصر الثاني من الناس فعندهم الوقت الكافي للقراءة والاطلاع على وسائل المعرفة كبعض الأساتذة وأئمة وخطباء المساجد وغيرهم من طلبة العلم المتفرع وبعض ربات البيوت اللائي اغترفن من بحور العلم المختلفة... ولكن مرض الكسل والركون إلى الراحة حال بينهم وبين التمتع بلذة القراءة والاستفادة منها فهذه الأسباب وغيرها أدت إلى ضعف الشهية الحقيقية للقراءة والاستمتاع بها لدى كثير من الناس خصوصا في العالمين الإسلامي والعربي فضعف الشهية عن بعض الناس يعتبر من العوامل الأساسية التي ساعدت في (مسألة الانفصام بين الثقافة العليا والثقافة الشعبية؛
وكما قال أحدهم: ما فائدة معرفة القراءة والكتابة لشخص لا يفتح كتابا، ولا يمسك قلما؟ إنها لا تزيد فائدة سيف لم يغادر غمده في يوم من الأيام ! )(1) ولا يمكن أيضا أن يأكل الإنسان المريض بعلة ما؛ إذا كانت معدته لا تشتهي الطعام مهما تنوعت الأغذية فلا يمكن لها أن تتقبل هذا الغذاء بل تقيه قيا. وثمة أمر آخر هو عدم الرغبة الأكيدة من هؤلاء في حب الاطلاع المستمر بما حدث ويحدث في العالم من أحداث سارة أو مؤلمة التي تصيب البشرية في كل بقاع الأرض وكذلك العزوف عن التعرف على ما عند الآخرين من أفكار ورؤى سواء أكانت سلبية أو إيجابية. فالذي لم يسهر نفسه ويلزمها للتعليم في مختلف صنوف المعرفة أياما طويلة، أسهره الجهل أعواما كثيرة.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي