فضيلةٌ لا تعدلها فضيلة، وواجب ومعروف أوصى به الله بعد توحيده، وحثّ عليه نبيه صلى الله عليه وسلم، وأفاض العلماء والدعاة فيه بل الشعراء والأدباء، لما فيه من محاولات لردّ جزء من جميل ومعروف من جعلهما الله سبب وجود الإنسان. وقد أمر الله سبحانه وتعالى بعبادته وتوحيده وقرن هذا الأمر المبين حقه سبحانه بالأمر ببر الوالدين والإحسان إليهما بالقول والعمل فقال عز وجل:

«وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً، إما يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفضْ لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربِ ارحمهما كما ربياني صغيراً» فلا يجوز أن نسمعهما أدنى وأقل مراتب القول السيئ وهو التأفف، ولا يجوز أن ننفض اليد عنهما ونتنصل من رعايتهما عند الكبر،

لأن هذا من أحط أفعال القبح، ولم تقف الآية الكريمة عند النهي عن القول القبيح لهما أو الفعل القبيح لكنها أمرت بالقول الحسن والدعاء لهما بالرحمة، ولين الجانب وخفض الجناح والتأدب معهما وتعظيمهما وتوقيرهما مع ذكر فضلهما علينا المتقدم زمناً ومنزلةً، وفي هذا كله نمتثل لقول الله تبارك وتعالى: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً..

» ونعمل بوصيته سبحانه «ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير»، فنتقدم لهما بالشكر بعد شكر الله على نعمه وعطاياه لما تحمّلاه من مشقة ووهن، خاصة الأم التي ذاقت مشقة الحمل وآلام الوضع ووهن الرضاعة والتربية فهل بعد كل هذا الإحسان إلا الإحسان.

إن بر الوالدين من نجاح المرء في الحياة (بعد توفيق الله) كما أنه ينجي من الكروب ويسعد النفوس وتنشرح به الصدور لما يراه الابن من سعادة أبويه.. ببرهما، ولما يراه الأبوان من حسن خلق الابن معهما، وليس أدل على أن بر الوالدين يكون سبباً للنجاة من المهالك من قصة أصحاب الغار التي فصّلها النبي صلى الله عليه وسلم ومنها :

«بينما ثلاثة نفر يتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ المطرُ، فأووا إلى غار في جَبَل، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَم غَارهم صَخْرة من الْجبل،فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ،فَقَالَ بَعْضُهُمْ لبَعض: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَملْتُمُوهَا صَالحة للَّه فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرجُهَا عَنْكُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَان لي والدان شَيْخَان كبيران وامْرَأَتي ولي صبْيَةٌ صغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهمْ، فَإذا أَرَحْتُ عَلَيْهم حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بوالدَيَّ فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا،فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ،فَجئْتُ بالْحلَاب،فَقُمْتُ عنْدَ رُءُوسهمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقظَهُمَا مِنْ نَوْمهمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقي الصِّبْيَة قبلهُمَا،وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلكَ ابْتغَاءَ وَجْهكَ فَافْرُجْ لَنَا منْهَا فُرْجَةً نَرَى منْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ منْهَا فُرْجَةً فَرَأَوْا منْهَا السَّمَاءَ» رواه مسلم

وهكذا صار كل منهم يدعو الله بعمل صالح تقرب به إليه حتى فرج الله عنهم كرْبهم وخرجوا من الغار ورأوا الحياة بعد الموت والنجاة بعد الهلاك فأثمروا ما زرعوه من بر والدين وأمانة وعفة. ومن أحب الأعمال إلى الله بر الوالدين لما رواه الشيخان عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي : أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلَى الله تَعَالَى ؟ قَالَ : «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قُلْتُ : ثُمَّ أي؟ قَالَ: « بِرُّ الوَالِدَيْن»، قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ في سبيلِ الله» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وإننا مهما بلغنا من بر الوالدين فلن نوفيهما إلا جزءاً يسيراً من حقهما العظيم فعن أبي هريرة قال رسول الله « لا يَجْزِي وَلَدٌ وَالداً إلاَّ أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكاً، فَيَشْتَرِيهُ فَيُعْتِقَهُ» رواه مسلم، والحديث يشير إلى عظم حق الأبوين اللذين أوصى النبي بهما الرجل الذي سأله عن أحق الناس بحسن صحابته؟ وكرر له «أمك» ثلاث مرات ثم قال له «أباك ثم أدناك أدناك». ومن أراد سعادة الدنيا وكثرة الرزق وبركة العمر وطيب الذكر فعليه بصلة الرحم وفي مقدمتها صلة الوالدين وبرهما، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «من أحَبَّ أنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ، ويُنْسأَ لَهُ في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».

ومن أراد أن يجاهد في سبيل الله وعز عليه ذلك لسبب من الأسباب نقول له يمكنك نيل أجر الجهاد في سبيل الله ببر الوالدين فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن جاءه رجل فاستأذنه في الجهاد فقال: «أحيّ والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» وبذلك قدّم النبي بر الوالدين على الخروج والجهاد في سبيل الله لما في برهما من إنفاق مالٍ وبذل جهد وهو القاسم المشترك مع الجهاد في سبيل الله. وفي المقابل نجد التهديد والوعيد والويل والثبور لمن عقّ والديه ويكفيه دعوة النبي التي تبين وجوب النار للعاق حين قال فيما رواه مسلم: «رَغِمَ أَنْفُهُ،ثُمَّ رَغمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، قِيلَ : مَنْ يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ»،

ويكفي أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله. إن عقوق الوالدين لا يجلب على المرء إلا نكد العيش وضيق الصدر وشؤم الرزق وعقوق الأبناء فيما بعد لأن سنة الله سبحانه وتعالى اقتضت أن يكون الجزاء من جنس العمل، فإذا أردت أن تعرف كيف سيعاملك ابنك في المستقبل عند كبرك فأستحضر صورتك وأنت تعامل أمك وأباك والقصص الدالة على ذلك كثيرة كذلك الرجل الذي مل خدمة أبيه فأخذه في مكان خالٍ ليقتله ولما رأى الأب منه ذلك قال: إن كنتَ لابد فاعلاً «أي قتْله» فليكن عند هذه الصخرة!! أتعرف لماذا؟ لأنه قتل أباه عندها. فهلا اتعظنا بغيرنا وحفظنا حق والدينا وبرهما.

محمد علي الأطرش