(كان الفن في كل الأزمنة، مؤئلاً للإنسان، يجد في التمتع بمنجزاته راحته النفسيّة، ويركن من خلاله إلى تأملاته، ويجد فيه متنفساً لأشواقه وتطلعاته، وهو الذي يرطب جفاف الحياة اليوميّة، وقساوتها. الفن بكل فروعه، أكان نغماً أو كلمة أو صورة. مسموعاً أو مقروءاً أو مرئياً، ضرورة لا يمكن للإنسان أن يستغني عنها، ونحن في عصرنا الذي اتسع فيه طغيان الآلة، ربما كنا بحاجة إلى زاد أوفر، من أي عصر مضى، من المتعة الفنية، وذلك في سبيل إرساء نوع من التوازن بين ضجيج الحياة المعاصرة، والغذاء الروحي للنفس البشرية).
بهذا المفهوم العميق، والرؤية الشاملة الدقيقة لمهمة الفن في هذا الزمن المحاصر بانسياح التكنولوجيا والمادة، والمنعكس في إحساس الإنسان المعاصر: شعوراً طاغياً بالقلق والخوف على المصير والاغتراب المرعن الذات وفيها. يعتبر الفنان الراحل محمود حماد أحد بناة الحركة التشكيلية السورية المعاصرة. له تجربة طويلة ومتشعبة مع الفن، لعل أبرزها وأهمها، تلك التي اتجه فيها إلى الحروفيّة. تُلخص تجربة هذا الفنان الرائد بثلاث مراحل هي: ـ المرحلة الأولى: وقد استمرت من عام 1940 وحتى عام 1958، وهي مرحلة الدراسة والتجريب والتكون، وقد كانت مليئة بالتردد والبحث، شابتها تأثيرات مختلفة مع بقائها ضمن المجال التشخيصي، وكانت تجربة مفيدة، بالرغم من ضحالة قيمتها الفنيّة، ذلك لأنها مهدت للمرحلة الثانية.
ـ المرحلة الثانية: وقد دعت بمرحلة (حوران) وفيها تبلورت تجربة الفنان محمود حمّاد، واتخذت خطاً شخصياً واضحاً في الشكل واللون والمضمون. كانت مادتها الأولى، إنسان الريف في مواقفه الحياتية المختلفة. تطورت عناصر هذه المرحلة إلى أن ابتعدت تدريجياً عن أشكال المرئيات، ممهدة بذلك إلى المرحلة الثالثة. ـ المرحلة الثالثة: بدأت معه عام 1963 واستمرت حتى وفاته في العام 1988. في هذه المرحلة، استخدم الفنان محمود حماد الأشكال المجردة، مستفيداً من إمكانيات ومعطيات وأشكال وحركة الكتابة العربية، وذلك لتكوين صور مثاليّة تخضع بحرية مطلقة، لمتطلبات العمل الفني.
والمتتبع لتجربة حمّاد الفنية خلال هذه المرحلة الطويلة، يرى أنه استطاع توظيف خبراته وكشوفاته التقنوية والتشكيلية القادمة من ممارسة مستمرة للإنتاج الفني، وتواصل دائم مع البحث الدؤوب والجاد والعميق. من أجل خلق تجربة حروفية متميزة، عُرف من خلالها، وشاعت وتأصلت وأكدت حضورها الفاعل، في التشكيل السوري المعاصر. لقد استخدم الفنان محمود حمّاد الكتابة العربية في لوحته، من خلال منظور خاص، قلما نجد له مثيلاً في التجارب الحروفية العربية المعاصرة، إذ إن الحرف العربي في لوحته، يشكل نسيجها المعماري المتداخل والمتين، وعنصرها الأساس الذي يغطي كامل مساحتها، ويتحاور مع التقطيعات الهندسية المدروسة بعناية فائقة، وبكل توافق وانسجام وجمال.
اللوحة الحروفيّة لدى الفنان حماد، دراسة عقليّة حسيّة رفيعة، تختزل خبراته الطويلة في التشكيل، وبناء التكوين، وانسجام الألوان، وقوة إيحاءاتها، وهو لا يولي اهتماماً كبيراً لمعنى الكلمة المستخدمة، في اللوحة، بقدر ما يولي الاهتمام لقيمها المجردة، وتشكيلاتها المعبرة، لذلك فالحرف لديه، يتداخل في صلب التكوين، بل قد يقوم التكوين بكامله عليه. بمعنى أن المضمون الدلالي، أو المعنى المباشر للحرف العربي، أو الكلمة في اللوحة. لم يكن هو ما يشغل بال الفنان حمّاد عند بناء اللوحة، بقدر ما يشغله المعنى الدلالي لحركة الحرف، وتكوينات الكلمة التي قد تتوافق وشكل ما في الواقع، أو لا تتوافق.
د. محمود شاهين



