لكل مسجد حكاية، أو إن شئت قصة تروى، لتقدم لنا عبر نسيجها ملامح الإطار الذي أطل عبره هذا المسجد. وحكاية مسجد محمد بن مدية في قلب ديرة بمدينة دبي بدأت بسيطة، لكنها لم تنته، وفي اعتقادي أنها تملأ الدنيا وتشغل الناس، ربما لأنه في هذا المسجد يوجد مفتاح كنز حقيقي، هو الكيفية التي يمكن بها لمدينة ترفع لواء الحداثة، أن تجمع بين توجهها هذا وبين العمارة المسجدية التي هي في صميمها إحالات إلى ذاكرة بصرية تمتد عبر ألف عام.

الحكاية تقول إن موقع هذا المسجد كان يضم في السبعينات مسجداً قديماً وفي عام 1982 كلف رجل الأعمال ماجد محمد الفطيم مؤسسة أ.ن تومبا زيس وشركاه، التي تتخذ من العاصمة اليونانية أثينا مقراً لها بوضع تصميم لمسجد جديد يحل محل المسجد القديم. هذه المهمة الصعبة، بسبب طبيعة الموقع في المقام الأول، تصدى لها المعماري اليواناني البارز ألكسندر تومبازيس، الذي عمل في حشد هائل من التصميمات المعمارية، ولكن هذا كان مشروع مسجده الأول.

انتهى التصميم في عام 1987، ليبدأ البناء، وليتم افتتاح المسجد في 27 مارس 1990. ولتبدأ حكايتنا مع هذا المسجد، وليتواصل الاهتمام المدهش به. ولكن ما السر حقاً في هذا الاهتمام؟ هناك عشرات العناصر التي تطرح في معرض الرد على هذا السؤال، ولكنني أريد الإشارة إلى عدد محدود من النقاط، في هذا الصدد، أبرزها ما يلي:

ـ من الناحية االوظيفية، وعلى الرغم من صعوبات موقع المسجد، فإننا هنا أمام بيت صلاة يتسع لخمسمئة مصل، بالإضافة إلى شرفة طابق مسروق تتسع له 230 مصلية، غير أن سعة المسجد لا تتوقف عند هذا، وإنما هناك مجال لـ 360 مصلياً خارج بيت الصلاة الرئيسي.

ـ يعمد المصمم إلى فصل عبقري بين الخارج الدنيوي، الحافل بالضجيج وأصوات السيارات والضوء القوي ولهيب الشمس، والداخل القدسي بكل رصانته وقدرته على الإيحاء بالتأمل وبتجربة روحية عميقة، فالجدران الخارجية المكسوة بطوب أعد يدوياً خصيصاً للمسجد بلونه الرملي القاتم لا تكاد توجد بها فتحات، والفتحات القليلة التي تلمحها العين توظف في المقام الأول لتدفق النور عبرها إلى الداخل، وهذا الداخل مكسو بحشوات من الرخام الأبيض وبالجص الأبيض الناعم.

ـ الملمح الأكثر إثارة للاهتمام في هذا المسجد هو اختزاله للقبة واستغناؤه عنها بتدرجات السقف، التي توظف جمالياً كبديل للقبة، وعملياً كوسيلة للسماح للضوء الطبيعي بدخول بيت الصلاة، بعد ترشيحه وتحويله إلى قبس بديع يملأ القلب خشوعاً والروح سكينة. ولا يقل روعة عن هذا الملمح لجوء المصمم إلى إبداع مئذنة فريدة يصل ارتفاعها إلى 45 متراً تتوج المساحة الكلية المبنية للمسجد البالغة 2100 متر، وهي تومئ إلى ذاتها، وتستحضر فتنتها، مبدعة نموذجها الخاص، الذي يوشك أن يكون في حالة قطيعة مع كل ما يندرج في الذاكرة البصرية التقليدية.

ـ هذا التصميم يملك عبقريته الخاصة في الجمع بين عنصري القوة والبساطة، وهو يشبه في العديد من الجوانب مسجد شفيق عماش البيروتي، في الشكل وفي الأسلوب الناجح الذي تم به توجيه المسجد نحو مكة المكرمة مع الاحتفاظ بالعلاقة الواضحة والمنتظمة مع الشوارع التجارية المحيطة به. والمسجدان يقدمان منظومة رائعة من الحلول في التعامل مع مشكلات المواقع الحضرية الصعبة.

ـ كما أن مسجد شريف الأبيض في البوسنة يستوقف الأنظار بتصميمه الفريد لقبلته البهية، الجميلة، البسيطة، السابحة في النور، فإن العين لا يمكن إلا أن تتوقف طويلاً عند حائط القبلة بكامله في مسجد بن مدية، حيث رأينا كيف أتاح التصميم دخول النور الطبيعي من الخارج رقيقاً، رفيقاً، ليعانق الزجاج الذي نفذت فيه آيات من آي الذكر الحكيم باللونين الأزرق والبيج.

وتتعدد العناصر التي يتوقف عندها المرء في تأمله لمسجد محمد بن مدية، ولعل الغد القريب يشهد تردد أصداء اللغة الحداثية الراقية لهذا المسجد والحلول التي يقدمها لمشكلات العمارة المسجدية في نسيج حضري متغير في المساجد التي نأمل أن تشمخ تحت آفاق دبي في المستقبل القريب.

كامل يوسف