مؤلف هذا الكتاب «الإسلاموفوبيا» هو الدكتور سعيد اللاوندي، الخبير في العلاقات السياسية الدولية، ويعد من مؤسسي المركز المصري لحوار الثقافات في باريسو له مؤلفات عدة منها: «المتأسلمون ماذا فعلوا بالإسلام وبنا؟ و«الإسلام في أوروبا» وغيرها يقول المؤلف في مقدمة الكتاب إن «الإسلاموفوبيا» هي ظاهرة جديدة أذكت نيرانها جملة الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في بدايات الألفية الثالثة، ومعناها: الخوف المرضي والمبرر من الدين الإسلامي،
فأي شخص يدين بهذا الدين سيكون بالضرورة - وبحسب هذا المعني - مجرما وإرهابيا ومن ثم يتعين الحذر منه والابتعاد عنه، «وأصبح المهاجر «المسلم» متهما بأنه في مهمة أساسية وهي أن يقود المجتمع الغربي باتجاه حظيرة الإسلام، ومنها أيضا أن الإسلام «الأصولي» قد تغلغل في القطاع الاقتصادي الأوروبي مما يسهل توفير الدعم لجنود الإسلام الذين يحاربون في أفغانستان والعراق ويتطرق الكاتب للحديث عن الهجرة العربية فيقول:
لقد ازدادت الهجرة العربية بكثافة في العقود الأخيرة وهي تقوم بالدرجة الأولى فئات شبابية مثقفة وذات مهارات تقنية وجدت أن العمل في بلدانها من المحال، لذلك سعت إلى العمل في الدول الأوروبية، فضلاً عن وجود أسباب أخرى طاردة لها من بلدانها الأصلية منها الاستبداد الذي يطبع بعض الأنظمة العربية، وتكونت بذلك فكرة لدى المهاجر العربي أنه قد أفلت من ظروف اقتصادية وسياسية في بلده، لينعم بكل ما يلذ ويطيب في بلاد الغربة،
وأن تحقق ذلك بعض الشيء بالنسبة للجيل الأول من المهاجرين، فالحال ليس كذلك بالنسبة لأولاده وأحفاده من الجيلين الثاني والثالث فهؤلاء ولدوا ونشأوا في أوطان هجرتهم، وعاشوا أجواءها الثقافية وحرية مطالبها السياسية، وصارت لغاتها لغة الأمة، مما أعطى لديهم شعورًا كاملاً بالمواطنة، دون أن يتواكب هذا مع تمتعهم بكل الحقوق وفي هذا الإطار يؤكد المؤلف أن النموذج المغربي من الممكن أن يأخذ كمقياس للهجرة العربية لأوروبا،
فالمغاربة كانوا أسبق في هجرتهم إلى فرنسا، وقد مرت هذه الهجرة بثلاث مراحل: الأولى، شهدتها مرحلة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكانت في معظمها هجرة للرجال من دون السيدات والأطفال، حيث الدافع إليها هو البحث عن العمل أما المرحلة الثانية، فكانت دوافعها الظروف الاقتصادية الصعبة في المغرب وتفشي البطالة،
ومع المرحلة الثالثة والتي بدأت في الستينات أخذت الهجرة المغربية إلي فرنسا أبعادًا أخرى سواء من حيث زيادة الأفواج المهاجرة من حيث اجتلاب بقية أعضاء الأسرة بعد رصد المؤلف لأسباب ودوافع الهجرة العربية ، يكشف لنا العلاقة بين الأسر المغاربية والأسرة الفرنسية المجاورة لها في السكن أو العمل والتي تكاد تكون معدومة، نظرًا لاختلاف العادات والتقاليد والطباع والاهتمامات فضلاً عن حاجز اللغة،
وبالتالي فالأسرة المغربية لا تجد أمامها سوي توطيد علاقتها بالأسر المغربية المماثلة لها في الظروف والمستوى الاجتماعي وبالرغم من كل هذه الصعوبات، فثمة إمكانية لقيام نوع من التعايش بين المجتمع الفرنسي والعربي لابد من التقريب بين العرب والفرنسيين سواء من خلال تشجيع الفرنسيين على زيارة بلاد المغرب للتعرف علي الأماكن التي يأتي منها المغاربة المهاجرون،
وكذلك على ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم كما يجب علي المهاجرين أن يتعرفوا بشكل صحيح على ثقافة الفرنسيين ويحترموا قواعد العيش معهم في ظل القوانين التي تحكمهم ويتعرض الكاتب في مناقشته لقضية الهجرة للحديث عن شبكات تهريب المهاجرين فيقول: إنها أصبحت تشكل صداعا في رأس أوروبا، فهؤلاء المهاجرون غير الشرعيين يتسللون ليل نهار باتجاه حدود دول أوروبا الغربية من كل مكان، من آسيا وافريقيا والشرق الأوسط ولأنهم فقراء الجنوب في الأغلب،
فلم يجدوا ثمنا لهجرتهم سوى أن يبيعوا أجزاء من أجسامهم مقابل أن تتولى شبكات متخصصة تهريبهم ، وأخطر ما في القضية أن شبكات من المافيا المنظمة هي التي تتولى أمر هذه الهجرة، وتحقق هذه الشبكات دخلاً يتراوح بين 10 و15 مليار دولار وهو رقم يقترب مما تحققه شبكات تهريب المخدرات، وهناك بعض الدول جعلت من نفسها محطة ترانزيت لتصدير المهاجرين مثل ألبانيا والبوسنة أما غالبية المهاجرين فيتجهون إلى أميركا واستراليا ولحل مشكلة تهريب المهاجرين،
يرى المؤلف أن الدول الغنية عليها أن تبادر بإبداء حسن نياتها بإسقاط ديون الدول الفقيرة لحل مشاكلها الداخلية وليس لتسديد فوائد هذه الديوان، وتشديد العقوبات بالغرامة والسجن علي من يشارك في تسهيل قدوم هؤلاء المهاجرين بالطرق غير الشرعية إسلام أوروبا ويرى المؤلف أن أوضاع المسلمين في القارة العجوز تشهد تأزما تتزايد ملفاته،
وتتسع دوائره يوما بعد يوم، فلابد أن تتصدر قائمة المتهمين أو المتورطين فيه أسماء لأناس مسلمين، حدث هذا في أحداث 11 سبتمبر في أميركا 2001، كما حدث في عمليات تفجير مترو مدريد في اسبانيا في 11 مارس 2004، ولا يكاد يخلو حادث عنف من أي نوع من اشتباهات ضد مسلم هنا أو هناك والغريب أن الإسلام في أوروبا - إسلامان: إسلام حقيقي وصحيح يعرفه كثير من الدوائر الأكاديمية التي تلتزم الموضوعية والنزاهة منهجا، بل إن منها ما تحدثت بالفعل عن عبقرية الإسلام ،
أما الإسلام الثاني هو إسلام مشوه تماما لا يمت للإسلام الأول بصلة، لأنه صناعة الميديا، بكافة أنواعها وتتحكم فيه بالطبع النوازع، والأغراض، والنيات المبيتة، ولذلك فهو إسلام يخضع لاعتبارات السياسة وأطماعها ويضع المسلمين جميعا في خندق واحد هو خندق السطحية والبربرية والفوضى والإرهاب ولا شك أن هذه الحياة القلقة التي يعيشها مسلمو أوروبا هي التي أفرزت تلك المعادلة وهي «إسلام أوروبا أم إسلام في أوروبا»، ويوضح المؤلف أن طرفي تلك المعادلة الفرق بينهما شاسع،
فهما مصطلحان مختلفان ولا يكاد يشبه أحدهما الآخر إلا في الطباق اللفظي، أم مدلولات وتداعيات كل مصطلح أو مفهوم فلا تكاد تشبه الأخرى «فالإسلام في أوروبا» يعني أن الإسلام شيء «وافد» أو قادم من خارج الحدود الأوروبية ومن ثم يتعين التعامل معه كما يتعامل ابن البلد الأصيل مع الضيف
أما المصطلح الثاني «إسلام أوروبا» فيعني أن الإسلام هو ابن شرعي من أبناء أوروبا وشيء أصيل في نسيجها ولا يختلف أبناؤه عن أبناء أوروبا في قليل أو كثير سواء في الحقوق أو الواجبات تشويه متعمد يذكر المؤلف أن هناك صورة نمطية مشوهة للعرب في الموروث الأوروبي الغربي أضيفت إليها بعض الرتوش إلا أنها لا تزال قابعة في العقل الغربي، من بينها صور الصحارى المقفرة والقصور التي يعيش فيها النساء والأسواق القذرة التي يزدحم فيها العرب والمسلمون،
وأيضا هناك بعض المؤلفات العلمية «كالقواميس مثلاً» لم تتخلص من هذا التحيز ضد العرب وعرض صورة مشوهة لهم ولقد تلقفت «الميديا» هذه العناصر المغروسة في أذهان الأوروبيين عن العرب والمسلمين ونفخت فيها من روحها ونشرتها في كافة الأرجاء، بحيث أصبحت عبارة «أنا عربي مسلم» مرادفا تماما لعبارة (أنا إرهابي) ، ووسط هذه الحملة المنظمة التي تشوه العرب والمسلمين، يرى المؤلف أن العالم أجمع نسي أن العرب قدموا إسهامات عديدة للحضارة الإنسانية،
فالأطباء والعلماء العرب والفرس كانوا مصدر إلهام لمفكرين أوروبيين مثل دافنش، لقد ابتكر العرب علم الجبر، كما طوروا تعليم القانون والفكر الأدبي والعلمي والفلسفي، وظل كتاب «النفس والشفا» في الطب لابن سينا يدرس في جامعات أوروبا حتى أوائل القرن التاسع عشر وعن الإجابة عن هذا السؤال، لماذا يخاف الغرب من الإسلام؟ يقدم الكتاب بعض شهادات ورؤى من بعض الكتاب والمفكرين،
ومنها رؤية محمد أركون - مفكر إسلامي جزائري يعيش في فرنسا، بأن العنصرية هي ظاهرة موجودة في كل المجتمعات التي تنحدر عناصرها من أصول وثقافات ولغات مختلفة وطبيعي أن ينزعج أبناء البلد الأصليون عندما يجدون أن عناصر أخرى أخذت تزاحمهم وتنافسهم في المناصب والخدمات التي يوفرها مجتمعهم، أي أن شعورهم بالتهديد في هذه الحالة ليس مستغربا أما بالنسبة لوجود العرب والمسلمين في البلدان الأوروبية الذي بدأ يزداد ويتسع في الفترة الأخيرة،
يجب أن نرجع إلي الأصول التاريخية القديمة في المنافسة بين الأديان المنزلة، إذ نعرف أن الإسلام منذ ظهوره في المدينة كان يواجه رفض اليهود والنصارى، إذ كان الإسلام ينافس هذين الدينين باستغلال رموز دينية مشتركة كالوحي والنبوة والميثاق، أي العلاقات بين الإله الذي يخاطب البشر عن طريق الأنبياء وبين الشعوب التي اختارها كلامه لكافة الناس بواسطتها
وفي السنوات الأخيرة - أي بعد انتقالنا في البحث العلمي من العرض التاريخي للأديان إلى التحليل الأنثر وبولوجي - أن نخرج من هذه العقلية المبنية على الترافض بين الأجناس والأمم وعلى المسابقة للاحتكار بما نسميه «الدين الحق» أو الحقيقة التي تختص بها أمة دون الأمم الأخرى خناق ويختتم المؤلف كتابه قائلاً: إن هناك غابة من القوانين المستحدثة،
تضيف إجراءات جديدة لتنظيم إقامات المسلمين وتضع قيودًا علي الممارسات الدينية والعقائدية، لتبين لنا أن «الخناق» يضيف شيئا فشيئا على مسلمي أوروبا الذين باتوا يشعرون في بعض البلدان بأنهم غير مرغوب فيهم، فليس من قبيل المصادفة مثلا أن تفرض بلجيكا علي الأئمة المسلمين تعلم اللغة الفرنسية أو الفلامنكية، وتشترط بريطانيا الشيء نفسه تعلم الانجليزية علي أن تلقى خطب الجمعة بهذه اللغات،
وتضع ألمانيا قيودًا صارمة علي المدارس التي تستقبل التلاميذ المسلمين وتحذر فرنسا الطالبات المسلمات من تجاهل قانون حظر الحجاب، وتراقب اسبانيا المساجد في المدن الكبرى والصغرى وبهذه الإجراءات غير المسبوقة، يرى المؤلف أن الوجود العربي والإسلامي في أوروبا بات مهددًا، إن لم يكن بالطرد والإقصاء فسيكون بالتحجيم والتهميش،
فثمة صرخات غير بريئة تصدر بين وقت وآخر من دوائر سياسية أو دينية في أوروبا تحذر مما تسميه «بالخطر الإسلامي» على القارة العجوز، وتتظاهر بأنها ترفض أفواج المهاجرين - كل المهاجرين - الذين يصعدون من الجنوب إلى الشمال بحثا عن «حياة أفضل» ثم يتبين أن المهاجرين المسلمين هم المرفوضون، وحدهم، وغير المرغوب فيهم دون المهاجرين الذين يحطون رحالهم داخل أوروبا .
القاهرة: أيمن رفعت