في مطلع يوليو من العام 1930 احتفلت فرنسا بمرور مئة عام على احتلال الجزائر، وأقامت التظاهرات في باريس ومرسيليا وليون وغيرها ولكن أيضا في الجزائر و وهران وقسنطينة وسطيف وبجاية وتلمسان ومختلف مدن وبلدات الجزائر. ولما كان الفرنسيون يحتفلون كانت مجموعة من الرجال الأشداء يقودهم الإمام عبد الحميد بن باديس يحضرون لعرس الاستقلال برسم خطة الخلاص من الأخطبوط الاستعماري المدمر. ولم يمض عام على تلك الاحتفالات حتى أعلن عن قيام «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» على إثر مؤتمر عقد في 1931 بنادي الترقي في حي القصبة العتيق بالعاصمة الجزائر.

المؤتمر دعا له الامام عبد الحميد ابن باديس لكن لم يحضره من بدايته حتى لا يثير شكوك سلطات الاحتلال و مشايخ الطرق الصوفية وهما طرفان كانا قد شنا عليه حملة كبيرة من قبل ومنعوه من إلقاء دروس في المساجد ما اضطره للهجرة إلى المشرق العربي. وقال الشيخ خير الدين وهو من المؤسسين إن فكرة تأسيس مثل هذه الجمعية كانت تشغل بال ابن باديس منذ لقائه بالشيخ البشير الإبراهيمي في المدينة المنورة حين كان الاثنان هناك يؤديان فريضة الحج وكان يبحث عن مبرر يقنع به أكبر عدد من العلماء فكان الاستفزاز الكبير الذي أحدثته احتفالات فرنسا بمئوية الاحتلال وإعلانها «الجزائر فرنسية إلى الأبد» فرصة مواتية لتحقيق هدفه.

فأوكل أمر التحضير للشيخ محمد عبابسة الأخضري وهو من علماء الجزائر الكبار وطلب منه أن يعد لمؤتمر جامع بنادي الترقي في العاصمة و حرص على أمرين اعتبرهما أساس النجاح أولهما أن يحضر المؤتمر علماء من مختلف التوجهات السياسية ومن المذهبين المالكي والاباضي وهما المذهبان الوحيدان في الساحة وثانيهما أن تدعو للمؤتمر مجموعة من العلماء ممن يعتبرون في نظر الفرنسيين معتدلين حتى لا يثير المسعى أية شبهة.

فابن باديس صار محنكا في السياسة وصار يعرف ردود فعل خصومه بالتدقيق، ولذلك كان عليه أن يحتال عليهم حتى يحقق أهدافه، فاتفق مع مقربيه أن لا يحضر الاجتماع لأن مجرد ذكر اسمه ضمن المدعوين يدفع سلطات الاحتلال إلى منع المؤتمر. وفي الخامس من مايو التأم الجمع كما كان مقررا وعرضت أوراق للنقاش وتناول المؤتمرون بالدرس وضع الجزائر ومسألة انتشار الأمية والجهل الذي تجاوز 90 بالمائة

وأقروا نشر التعليم العربي و إقامة مدارس في كل المدن والبلدات واستعملوا في نقاشهم لغة لا تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى معاداة فرنسا أو الطرق الصوفية وأعلنوا أن الجمعية دينية تهذيبية تسعى لخدمة الدين والمجتمع ولا تتدخل في السياسة ولا تشتغل بها. وفي اليوم الأخير من المؤتمر تقرر توجيه دعوة خاصة للشيخ ابن باديس للحضور فلباها وألقى خطابا ختاميا ركز فيه على أن أكبر معركة تنتظر التنظيم الجديد هي محاربة الجهل ونشر العلم في كل بيوت الجزائر شرعت الجمعية مباشرة بعد تأسيسها في حملة غير مسبوقة لحشد التأييد

وجمع المال لإقامة المدارس وساهمت صحيفة «المنتقد» التي يملكها الشيخ ابن باديش في الاشهار لها والتعريف ببرنامجها. و ووجه البرنامج بمحاربة من الزوايا الصوفية التقليدية التي ترى في جمعية العلماء وافدا جديدا يهدد مصالحها ونفوذها وجرت معارك ضارية بين الجانبين حسمتها الجمعية لصالحها في كثير من الأحيان.

وفتحت عشرات من المدارس يؤطرها أساتذة محدثون في نظرتهم للتعليم وأدرجت مواد جديدة في المدارس العربية كالحساب والمنطق، وكانت المادة الممنوعة هي التاريخ لأن تدريس تاريخ الجزائر القديم يتعارض مع سياسة الاحتلال، لكن العلماء كانوا يجدون دائما الصيغة التي يمررون بها أفكارا عن تاريخ الجزائر عبر الدين واللغة.

وكانت مدارس الجمعية أوكارا للفكر الوطني المعادي للاستعمار وتتلمذ على ابن باديس والشيخ البشير الابراهيمي والطيب العقبي و العربي التبسي ومبارك الميلي ومحمد خير الدين والفضيل الورتلاني وغيرهم عدد كبير من الشباب الذي أعد ثورة الجزائر وقادها حتى اندحار المحتل وخروجه مهزوما ذليلا في يوليو 1962. وكونت تلك المدارس نخبة مغايرة تماما فكرا ومنهجا لتلك التي عملت فرنسا على تكوينها بالفرنسية لتكريس وجودها في البلاد.

ومع أن الجمعية أعلنت في بيان تأسيسها أنها دينية فحسب ولا تشتغل بالسياسة إلا أن الأحداث المتسارعة وغليان الساحة والمخاطر المحدقة بالمجتمع دفعتها إلى العمل السياسي العلني حينا والسري أحيانا أخرى.فقاد الشيخ عبد الحميد ابن باديس تأسي أول جبهة سياسية في البلاد تضم ثلاثة أحزاب سياسية من بينها الحزب الشيوعي فضلا عن الجمعية وسمي الحلف بـ «المؤتمر الإسلامي»

وتأسس عام 1936 على إثر مؤتمر حاشد عقد بالملعب البلدي لمدينة الجزائر وحضره زعماء تاريخيون في مقدمتهم الدكتور فرحات عباس الذي صار فيما بعد رئيس أول حكومة مؤقتة عينتها الثورة في عام 1958 والزعيم التاريخي مصالي الحاج رئيس حزب الشعب الذي انسحب من المؤتمر فيما بعد لخلافه مع أطراف أخرى ومطالبته بإدراج عبارة الاستقلال في البيانات التي يصدرها. وسافر ابن باديس إلى فرنسا على رأس وفد جزائري فاوض باسم جمعية العلماء والمؤتمر الاسلامي كبار المسؤولين حول مصير الشعب الجزائري ومطالبه و وضع حقوق الإنسان في البلاد. وحين عاد صرح بأن أمله في الحكومة الفرنسية خاب وهو ما فسر على أنه دعوة لانتهاج طرق بديلة لاستعادة الكرامة.

وحين توفي الامام عبد الحميد ابن باديس في 16 أبريل 1940 كانت الجمعية في أوج عنفوانها وكانت أفكارها قد انتشرت وفعلت مفعولها في مختلف الأوساط. وانتخب الشيخ البشير الإبراهيمي رئيسا جديدا بالاجماع وكان قبلها نائبا للرئيس منذ التأسيس. و واصل نهج الوسطية التي يقرها الاسلام ورفض التطرف كما واصل مناهضة الطرق الصوفية ذات التوجه الرجعي المتخلف الذي يخدم في مجمله سياسة المحتل. و واصلت الجمعية في عهده الدعوة إلى محاربة الاستعمار من خلال التمسك بالقيم الروحية واللغة والأرض انطلاقا من مبدأ الشيخ ابن باديس وشعاره «الاسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا».

ومع اندلاع الثورة التحريرية المجيدة في الفاتح من نوفمبر 1954 هب أتباع الجمعية للالتحاق بمعاقل الجهاد وأبلوا البلاء الحسن وسقط منهم آلاف من الشهداء من بينهم الشيخ العربي التبسي العضو القيادي في الجمعية والكاتب أحمد رضا حوحو. وكان صوت الشيخ البشير الإبراهيمي أول صوت جزائري ينبعث من إذاعة صوت الجزائر من القاهرة ومن بين ما قال حاثا المجاهدين على الإقدام «لا نريد أن نسمع أنكم تراجعتم أو تخاذلتم».

وبعد الاستقلال غابت الجمعية عن الساحة وتوفي رئيسه الإبراهيمي في المنفى بالقاهرة، لكن عددا من أتباعها السابقين صاروا في مناصب عليا بالدولة، كما تحرك آخرون من أجل التعجيل بتعريب البلاد باعتبار ذلك مهمة رئيسية لتكريس الاستقلال وترقية مقومات الشخصية الوطنية واجتثاث مخلفات الاستعمار. وعادت الجمعية إلى النشاط في السنوات الأخيرة ويرأسها حاليا الشيخ عبد الرحمن شيبان الذي شغل لعشرين عاما منصب المفتش العام للتعليم في وزارة التربية وهو من تلامذة الشيخ عبد الحميد ابن باديس. ويعتقد أتباع الجمعية أن دورهم يبقى قائما وينصب على ترقية مكانة اللغة العربية حيث الفرنسية لا تزال متمكنة من الجزائر، وتطوير التعليم الديني وإسداء النصائح للحكام وما إلى ذلك من المهمات غير المحددة في الزمان.

الجزائر ـ «البيان»: