يقول تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين) (آل عمران:61- 59).

يقول السيوطي في متناول تفسيره للآية: إنه على حسب رواية ابن عباس أن رهطًا من نجران قدموا على النبي « وكان فيهم السيد والعاقب، فقالوا: ما شأنك تذكر صاحبنا: وقال من هو؟ قالوا: عيسى تزعم أنه عبد لله، فقال: أجل، فقالوا: فهل رأيت مثل عيسى أو أنبئت به. ثم خرجوا من عنده، فجاء جبريل، فقال قل لهم: إذا أتوك (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) الآيات إلى قوله: (من الممترين).

ويقول الواحدي تعليقًا على هذه الآية: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم): قال المفسرون: إن وفد نجران قالوا لرسول الله «: ما لك تشتم صاحبنا؟» قال: وما أقول؟ قالوا: تقول إنه عبد، قال: أجل إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، فغضبوا، وقالوا: هل رأيت إنسانًا قط من غير أب، فإن كنت صادقًا فأرنا مثله، فأنزل الله عزَّ وجَلَّ هذه الآية. وقد أورد السيوطي والواحدي عدة روايات في أسباب النزول تدور حول هذا المعني ولكنها من طرق أخرى وكلها تؤيد هذه الروايات التي ذكرناها.

والمعني الذي تشير إليه هذه الآية: أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم كلاهما خلق خلقًا غريبًا فآدم خلق من غير أب وأم، خلقه اللَّه من تراب. وقدره جسدًا من طين، ثم قال له: كن فكان، أما عيسى فقد خلق من غير أب فقط فمن الأغرب في خلقه منهما؟ ولذلك جاء التشبيه على هذا النحو وهو تشبيه الغريب بالأغرب منه. والآية كما يقول الغرناطي: حجة على النصارى في قولهم: كيف يكون ابن دون أب، فمثَّله اللَّه بآدم الذي خلقه دون أم ولا أب، وذلك أغرب مما استبعدوه، فهو أقطع لقولهم.

وقول الألوسي: والمثل- هنا ليس هو المثل المستعمل في التشبيه، والكاف زائدة- كما قيل به- بل بمعنى الحال والصفة العجيبة أي أن صفة عيسى (عند اللَّه) أي في تقديره وحكمه، أو فيما غاب عنكم ولم تطَّلعوا على كنهه، والظرف متعلق بما تعلق به الجارّ في قوله سبحانه: (كمثل آدم) أي كصفته وحاله العجيبة التي لا يرتاب فيها مرتاب، وجملة (خلقه من تراب) جملة مفسرة لما أبهم في المثل أي أن آدم لم يكن له أب ولا أم، بل خلقه الله من تراب، وفي ذلك دفع لإنكار من أنكر خلق عيسى من غير أب مع اعترافه بأن آدم خلق من غير أب ولا أم.

والألوسي يقول عنها: إنها جملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب مبينة لوجه الشبه باعتبار أن في كلٍّ الخروج عن العادة وعدم استكمال الطرفين ويحتمل أنه جيء بها لبيان أن المشبه أغرب وأخرق للعادة، فيكون ذلك أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته «ومن» لابتداء الغاية متعلقة بما عندها، والضمير المنصوب- لآدم- والمعني ابتدأ خلق قالبه من هذا الجنس ، (ثم قال له كن فيكون) أي صر بشرًا فصار، فالتراخي على هذا زماني إذ بين إنشائه مما ذكر وإيجاد الروح فيه وتصييره لحمًا ودمًا زمان طويل... ولكن يدور في الأذهان سؤال: لماذا عبر بالمضارع هنا فقال: كن فيكون، والحال أنه كن فكان؟.

يجيب الألوسي عن هذا السؤال فيقول: والتعبير بالمضارع مع أن المقام مقام المضي لتصوير ذلك الأمر الكامل بصورة المشاهد الذي يقع الآن إيذانًا بأنه من الأمور المستغربة العجيبة بشأن، وجوَّز أن يكون التعبير بذلك لما أن الكون مستقبل إلى ما قبله، وذهب كثير من المحققين إلى أن «ثم» للتراخي في الإخبار لا في المخبر به، وحملوا الكلام على ظاهره، ولا يضر تقدم القول على الخلق في هذا الترتيب والتراخي- كما لا يخفى- والضمير المجرور عائد على ما عاد عليه الضمير المنصوب،

والقول: بأنه عائد على عيسى ليس بشيء، لما فيه من التفكيك الذي لا داعي إليه ولا قرينة تدل عليه. والإمام البيضاوي يشير إلى هذه المعاني ويوضح معنى التراخي الذي تضمنته لفظة «ثم» فيقول: إنها لتراخي الخبر لا المخبر «فيكون» حكاية حال ماضية، ويرد هنا سؤال: كيف شبه عيسى بآدم مع أن المعروف أن عيسى خلق من أم وآدم خلق من غير أب ولا أم؟ يجيب عن هذا الإمام القرطبي فيقول: والتشبيه واقع على أن عيسى خلق من غير أب كآدم، لا على أنه خلق من تراب.

والشيء قد يشبه بالشيء وإن كان بينهما فرق كبير بعد أن يجتمعا في وصف واحد، ثم يوضح الفرق بينهما أن آدم خلق من تراب ولم يخلق عيسى من تراب فكان بينهما فرق في هذه الجهة، ولكن شبه ما بينهما أنهما خلقا من غير أب. ويلقي د. محمد عبد المنعم خفاجي أستاذ الأدب والنقد الراحل أضواء على هذا، فيقول في معرض الرد على هذا السؤال: أجيب بأنه مثله في أحد الطرفين ولا يمنع اختصاصه دونه بالطريق الآخر من تشبيهه به، لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، لأنه شبه به في أنه وجد وجودًا خارجًا عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران، ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه.

ومثل هذا لا يقدح في التشبيه ولا يعيبه كما يقول الإمام الشوكاني: ولا يقدح في التشبيه اشتمال المشبه به على زيادة وهو كونه لا أم له، كما أنه لا أب له، فذلك أمر خارج عن الأمر المراد بالتشبيه وإن كان المشبه به أشد غرابة من المشبه وأعظم عجبًا وأغرب أسلوبًا. وأهل الكتاب الذين عرفوا قصة آدم وخلقه العجيب الغريب ولم يسمعوا أساطير مثل الأساطير التي صاغوها حول عيسى، فلماذا يقولون عن عيسى إن له طبيعة لاهوتية، وآدم أغرب منه في خلقه،

إن العنصر الذي صار به آدم إنسانًا هو ذاته العنصر الذي صار به عيسى من غير أب: عنصر النفخة الإلهية في هذا وذاك، وإن هي إلا الكلمة «كن» تنشئ ما تراد له النشأة «فيكون» يقول اللَّه عَزَّ وجَلَّ عن آدم عليه السلام: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين). والله عز وجل عندما يقول لرسوله محمد عليه السلام: (فلا تكن من الممترين) ليس معنى ذلك أن الرسول « كان كذلك، وإنما يقصد التثبت على الحق ليؤكده في حسه وحس من حوله من المسلمين، فماذا بعد هذا البيان والإفحام؟ إن الله الذي خلق آدم بدون أب ولا أم هو الذي خلق حواء بدون أم هو الذي خلق عيسى بدون أب هو الذي خلق سائر الناس من ذكر وأنثي هو الذي يجعل من يشاء عقيمًا، هو الذي يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور.

هذه هي مظاهر قدرة الله، وإذا كان أمر خلق عيسى غريبًا، فأمر خلق آدم أغرب. ولكن الذي يعجب له الموحدون الغيورون على دين الله من أمر هذا الجدل الذي ثار حول أمر خلق عيسى وهو لم يتجاوز سُنَّة اللَّه في الخلق. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ لقد أمسك القرآن بأيدينا ووضعها على مواطن الحق، ولا يبقى بعد هذا إلا أن يستجيب الناس لداعي الهدى والهادي إلى سواء الصراط.