يمكن أن يكون اختلاف الزوجين ونزاعهما كبيراً أو ممتد الجذور بعيد الغور يستعصي على وسائل العلاج وألوان الحلول، فلا تؤثر فيه ارشادات النصح، ولا تنجح محاولات الاصلاح، فالأولى إذن أن تنحل عقدة الزوجية وينصرف كل من الزوجين لحال سبيله ليبحث عن حياة أفضل وأرفع عوضاً عن جحيم الخلاف المستحكم، فالفرقة إذن ضرورة لازمة لإنهاء المشاكل العميقة المستعصية، وتلك هي سنة الحياة.

فما عسى أن يفعل الإنسان بيده إذا نخر فيها السوس وأصبح يهدد حياته بالامتداد منها إلى سائر أجزائه؟ وماذا يفعل السليم الصحيح إذا اقترن بزي جرب؟ إن الضرورة الواقعة تقضي على ما يمكن من الصبر والتحمل والشريعة الإسلامية الحكيمة بينت على مراعاة مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم، فلا يمكن أن تهمل مثل هذه الضرورة، كيف وإن هناك من الأذى ما لا يجوز تحمله بحال، إذ كيف يطلب من الزوج أن يصبر على هتك عرضه؟ أو تذيقه العذاب ألواناً من امرأة فاسدة المزاج لا ينفع فيها علاج؟ أم كيف نكلف المرأة أن تتحمل معاشرة زوج لا يستقيم على الدين أو يعتصم بخلق؟

لكن الإسلام لم يترك أمر الطلاق هكذا فوضى من غير قانون ولا قواعد كلية تحكمه، بل بدأ بعلاج الخلاف بين الزوجين بطرق حكيمة قبل أن يصل الأمر إلى الفراق، وأوجب على أنباء المجتمع الإسلامي أن يسعوا لإصلاح ذات البين، فإذا اتسعت هوة الخلاف وبعدت الشقة بين الزوجين وخشي أن يحول الشقاق بينهما فلا يجوز للمسلمين ترك بيت أخيهم المسلم يتهدم صرح الزوجية فيه. قال تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها).

بل قد عالج الإسلام الأسرة وأقامها على الصراط القويم خشية أن يصل الأمر إلى الشقاق ثم إلى الفراق، فوجه الأزواج والزوجات إلى توسع مداركهم والصبر والتأني، وأن يعفو كل طرف عن قرينه، ولو كان في قلب أحدهما بعض الكراهية لشيء ما فإن الحسنات الكثيرة تشفع للهفوة والنقص.

إلا أن بعض نفوس البشر تأبى زيادة التحمل وترغب في الفراق لتكمل حياتها في هدوء واستقرار لا صبر فيه ولا مصابرة، وتستعصي الحلول على تطبيب القلوب، فأعطى الله كذلك حقاً لكل الزوجين في إنهاء هذا العقد، خلافاً للجاهلية التي توسع حق الزوج في التصرف في زوجته طلاقاً أو هجراً أو ظلماً، بينما منعت الجاهلية المرأة من المطالبة بالفراق وهذا ظلم كبير، فالمرأة أيضاً لها قلب يحب ويكره ولها مشاعر لا ينبغي نكرانها وروح إنسانية كما هي عند الرجل،

فجاء التشريع الإسلامي السامي بمنح هذا الحق للمرأة تماماً كما هو عند الرجل مع اختلاف في بعض التفاصيل. فقد جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه زوجها وأنها لا تطيق العيش معه، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى زوجها وقال: طلقها تطليقة وخذ الحديقة. صحيح أنها لا تستطيع أن تنهي الزوجية بالطلاق إلا أنها تستطيع أن ترفع الأمر إلى القاضي ليفرق بينهما.

والطلاق الذي شرعه الله في الإسلام تشريع وسط بين اليهودية التي تجيز الطلاق لأتفه الأسباب، وبين الطلاق عند النصارى الذين أحالوا الزواج إلى سر لاهوتي لا يقبل العضم بزعمهم، وكلتا النظرتين غير عادلة فما هذا شرع الله، وإنما هذه أحكام زادوها من عند أنفسهم، إلا أن هؤلاء النصارى الغربيين الذين حرموا الطلاق أشد التحريم ولاسيما الكاثوليك إذا بهم يطلقونه غاية الطلاق.

إن الطلاق علاج أخير لحالة مستعصية لا يمكن العلاج إلا به، وقديماً قالوا (آخر الدواء الكي) إلا أنه لابد منه أحياناً وإن كان الطلاق أبغض الحلال إلى الله، إلا أننا ندفع به مصائب وكوارث يمكن أن تقع في الأسرة، فالحلال المبغوض يكون أحياناً أولى من الجرائم والكبائر المتوقعة أو القائمة بالفعل.

زكريا الطحان