من الغوص في استعراض المفاهيم التي جرى تشويهها عن الإسلام في الغرب إلى أدوات تشويه هذه المفاهيم نعرض في هذه السطور لأحد أبرز الرموز الغربية ممن يعملون على ذلك، وهو دانييل بايبس وهو ليكودي عريق ويهودي أميركي يعمل على خدمة الصهيونية بشكل علني. وقد عزز من وضعه احتلاله موقعا مهما في الهيئات لشؤون الأمن في الولايات المتحدة ولشؤون التعامل مع العرب والمسلمين والحركات الإسلامية في افغانستان والعراق وفلسطين. وكان بايبس قد أنشأ في أواسط التسعينات مركز فيلادلفيا لدراسات الشرق الاوسط لتقديم النصح والمشورة بشأن العرب والمسلمين وحل مشكلة الشرق الاوسط..
ويمكن الإشارة في معرض حديثنا عما يمثله بايبس من نموذج يروج لفكرة العداء الإسلامي إلى أن مواقفه تقوم على ثلاث ركائز أساسية هي محاولة تكريس فكرة الخطر الإسلامي وفي هذا الخصوص من الملاحظ ان بايبس لا يقيم مثلا تمييزا واضحاً جدا بين الإسلام كدين وبين الإسلام السياسي كأيديولوجيا مع إنه يذكر بإصرار قاطع إنه يفعل ذلك، فالإسلام بالنسبة اليه يبدو في فطرته مناهضا للغرب،
وهو خطر على الغرب مثلما الشيوعية إبان الحرب الباردة ويحاول بايبس تقديم صورة سلبية عن الإسلام إلى حد إشارته إلى تأصل الكراهية في الإسلام معتبرا أن مظاهر المعارضة مثلا لما يسمى عيد الحب - عيد القديس فالنتين- إنما تعبر عن الكراهية في الإسلام. ولا يخفى هنا مافي منطق بايبس من مغالطة حيث لا يمكن بمفهوم المخالفة اعتبار رفض الغربيين الاحتفال بعيد إسلامي تعبيراً عن الحقد على الإسلام، باعتبار ان لكل مجتمع احتفالاته وأعياده وتقاليده.
وفي إطار التخويف من الإسلام والمسلمين أنذر بايبس العالم عشية حرب الخليج الثانية عام 1991 بقدوم جائحة إسلامية، وحملت إحدى مقالاته العنوان الدراماتيكي المستمد من ثقافة مرابطة الجيوش الإسلامية أمام أسوار فيينا قبل مئات السنين: المسلمون قادمون. ومن خلال مقاله حاول بايبس الإشارة إلى أن هناك أساساً واقعياً للخوف من الإسلام، فمنذ موقعة أجنادين سنة 634 وحتى حرب السويس كان العداء العسكري هو المهيمن على العلاقة المسيحية الإسلامية.
وقد قدم بايبس إسهامات فكرية متعددة تعزز مواقفه التي تروج لفكرة الخطر الإسلامي ومنها كتيب صغير له بعنوان «الإسلام السياسي» حاول أن يفسر من خلاله عداء ظاهرة الحركات الإسلامية للولايات المتحدة وإسرائيل. ومع إنه حسب وجهة نظره لا يصح اعتبار الإسلام كله أصوليا، إلا إنه ينبغي إدراجه في الحسبان ضمن الأخطار التي تتهدد السلام والأمن في العالم تماما مثل خطر الشيوعية والاتحاد السوفييتي، ثم إنه ينبغي الانتباه إلى الخطر الجديد المتمثل في شبان الجاليات الإسلامية في اوروبا والولايات المتحدة فهؤلاء الذين كانوا يتعاطفون مع اليسار يتعاطفون الآن مع الإسلام.
كما يعمل بايبس في إطار مواقفه التي تتسم بالعداء تجاه الإسلام والمسلمين على تشويه صورة المسلمين داخل الولايات المتحدة بما يضعهم تحت دائرة الاشتباه. ومن مواقفه الدالة في هذا الصدد إنه بعد المحاولة الأولى لنسف مركز التجارة العالمي اتجه إلى دراسة توجهات المسلمين في الغرب، ورأى وقتها أن هناك فارق بين الهجرة العربية والإسلامية والهجرة اليهودية إلى الغرب فاليهود ينتمون إلى الحضارة نفسها ويقعون في اساسها من الناحيتين الدينية والثقافية وقد أسهموا في إنشائها بينما ينتمي العرب والمسلمون إلى حضارة معادية للغرب والمسيحية منذ القدم.
وتمثل آخر إصداراته «الإسلام المتشدد يصل الولايات المتحدة» نموذجاً آخر على محاولته تكريس فكرة هذا الخطر وإنه لم يعد خطرا خارجيا وإنما ماثل في حياة الأميركيين داخل بلدهم. هذا قليل من كثير يمثل فكر واتجاهات رمز واحد فقط، من رموز مروجي الخطر الإسلامي في الغرب، ما يساعدنا على تصور جانب من أبعاد الخوف المرضي من الإسلام في الغرب.
مصطفى عبد الرازق
