بمجيء الإسلام ونزول آيات القرآن تترى وتتابع كلماته كالخير العميم، تملأ شبه الجزيرة العربية، وما حولها، والعالم شرقاً وغرباً، ضياء وهدى، ونوراً ومحبة، ورحمة وأخوة فكان لها وقع جديد، وصدى عميق على آذان القرشيين وغير القرشيين.

وعلى الرغم من أنهم كانوا يمتلكون ناصية اللغة، وجودة المرصف، وقوة البلاغة وحسن انتقاء المفردات، وتشقيقها، ومعرفة أصلها وفصلها، وسعة الخيال، وعمق النظم، إلا أن قوة «كلمات القرآن» تحدتهم تحدياً شديداً وطعنتهم فيما يفهمون فيه، ودخلت عقر دارهم، وعرتهم تماماً أمام الطرح الجديد والأبجدية الجديدة وهي نفس المفردات التي يستخدمونها:

«الم، ال ر..» «قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً» (الكهف 109) بإزاء هذا المنهج الجديد، والفكر الجديد، انقسم المجتمع القرشي، مابين مؤيد ومعارض، ومصدق ومكذب، لكن الفريق الأخير لم يستطع ان يمتلك حجة الرفض، أو دليل الإنكار، وكان ضعيفا متهافتا أمام سطوة الكلمات، و تحديها العنيف:

«فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين» (البقرة 23)، ومعطياتها الشاملة وسحرها الذي ينفذ إلى تلافيف المخ، وبرهان العقل، وشغاف القلب، ويسري بالراحة والطمأنينه إلى جوانح النفس البشرية، أينما كانت، وحيثما حلت.

كانت قوة الكلمة المتمثلة في آيات القرآن الكريم تهز المنظومة الفكرية القرشية وتتحدى بلاغتهم ومنطقهم الانكاري أو التشريكي، وفي المقابل كانت الآيات تحمل منظومة فكرية تعتمد على أكثر من محور الأول محور التوحيد، لا إله إلا الله، الله الواحد الذي يتساوى أمامه الجميع، بصرف النظر عن لغتهم وجنسهم ومراكزهم ومواضعهم الله واحد، ضد الجبروت، والصلف والظلم والطغيان.

الثاني: محور الأخلاق، وتأسيس مبادئ قويمة، وقواعد أخلاقية فريدة، وآداب عامة تحدد علاقة الإنسان بأخيه الإنسان وتؤسس لطهارة النفس، وعفة اليد، وصدق القول، والتواضع مع الآخرين، والإيثار، وجميع الفضائل التي أقرها العقل الإنساني.

الثالث: محور الكون، أي توجيه نظر الإنسان إلى هذه المخلوقات الباهرة والنسق المدهش وتوافق الأشياء مع بعضها وانسجامها مع الإنسان، ثم تحثه لكشف أسرارها، وفتح كنوزها، وحل شفراتها، والسيطرة عليها. كان الصراع قويا بين كلمة الله، وكلمة البشر، وبين منطقين، فلم يجدوا بداً من الإذعان والتسليم والاعتقاد ثم الإيمان.

د. محمد الزيني