هو موافقة الظاهر للباطن والقول للعمل والخبر للواقع. من سلك درب الصدق ولزمه نجا، ومن عمل على إقامته أُجِر لأنه من سمات المؤمنين. قال عنه ابن القيم في المدارج :«وهي منزلة (أي منزلة الصدق) القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران.

وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضعه على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلاً إلا أرداه وصرعه، من صال به لم ترد صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال، ومحل الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين، وعمود فسطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين ومن مساكنهم في الجنة تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين».

وقد حثّ الإسلام على الصدق الذي هو علامة لأهل الصلاح لأن بناء المجتمع المسلم قائم على محاربة الظنون ونبذ الإشاعات والريب، وقد قال المصطفى في ذلك: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» رواه البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة». وقد كان صلى الله عليه وسلم يكره الكذب ويعده من أرذل الأخلاق وأدناها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما كان من خُلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة، فما يزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث فيها توبة».

فمن الممكن أن يطبع المؤمن كل الصفات إلا الكذب فهو انتقاصٌ ينافي الإيمان مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل: «أيكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم، قيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: نعم، قيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: لا» رواه مالك.

والإسلام قدّر ما للكذب خاصة الشائعات من مضار على المجتمع وتفككه وانهياره وضياعه، ولذلك عظّم عقاب من يكذب الكذبة فتنتشر بين الناس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت الليلة رجلين أتياني، قالا لي: الذي رأيته يُشقُّ شدقه فكذاب يكون الكذبة فتُحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيُصنع به هكذا إلى يوم القيامة».

ومن الكذب الذي يبلغ الآفاق كذب ذوي المناصب أصحاب الكراسي على مرؤوسيهم أو من هم دونهم فتنشر كذبتهم، لذا حَرَّم الله عليهم الجنة. ففي الحديث النبوي: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: الشيخ الزاني والإمام الكذاب والعائل المزهو». (أي الفقير المتكبّر).

ومن ثم أوصى الإسلام بالصدق وجعل مآل الصدق إلى الجنة ومصير الكاذب إلى النار فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان: «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يُكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً».

وفي هذا تحذيرٌ من الكذب والتعامل فيه لما يسببه من شر، وترغيبٌ للصدق وتحريه لما ينتج عنه من خير، فالصدق ملاذ من الشبهات ومأوى من الريبة ومن خصال المروءة ونجاة لأربابه وقربة تدني من الله. قال عمر رضي الله عنه: «عليك بالصدق وإن قتلك». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحروا الصدق وإن رأيتم أن الهلكة فيه، فإن فيه نجاة» رواه ابن أبي الدنيا.

وهذا ما دفع ابن القيم لأن يقول: «ومن صدق الله في جميع أموره صنع الله له فوق ما يصنع لغيره». فحين قيل لأحمد بن حنبل: كيف تخلصت من سيف المعتصم وسوط الواثق؟ فقال: لو وُضع الصدق على جُرح لبرئ. قال اياس بن معاوية المزني قاضي البصرة: «إن أشرف خصال الرجل صدق اللسان، ومن عُدم فضيلة الصدق فقد فُجع بأكرم أخلاقه».

إن الإسلام يدعو للصدق وينبذ الكذب في كل الأمور حتى أمور المزاح ينهى فيها عن الكذب، ذلك أن صرح المجتمع المسلم لابد أن يؤسس على الصدق يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في وسط الجنة، لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً». رواه البيهقي.

وتوعد المازح بالكذب «ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك منه القوم فيكذب، ويل له ويل له» رواه الترمذي. وفيما رواه أبوداود عن عبدالله بن عامر قال: «دعتني أمي يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا، فقالت: تعال اعطك، فقال لها: ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمراً، فقال لها: أما انك لو لم تعطه شيئاً كُتبت عليك كذبة».

سبحان الله تكتب هذه كذبة؟ رغم أنها لصبي وفي أمر بسيط، فكيف بمن يتساهل في أمور أعظم شأناً وقد تودي بحياة أو مصالح أشخاص، والحديث واضح جداً لا يحتاج إلى بيان، فالإسلام يغرس في الإنسان منذ نعومة أظفاره فضيلة الصدق يربيه عليها، ويدعو الأمهات إلى ذلك، فمهما صغرت الكذبة سيُحاسب عليها الإنسان،

فقد قال النبي :« إن الكذب يكتب كذباً حتى تكتب الكُذيبة كُذيبة» رواه مسلم. ورغم ذلك انتشر الكذب في مناحٍ عديدة، كالكذب في البيع والشراء وشهادة الزور التي هي من أكبر الكبائر، والكذب في مدح الأشخاص والثناء عليهم، وهذا من النفاق الذي نهى عنه النبي ، فعن أبي هريرة قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المداحين التراب» رواه الترمذي.

وحين رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يثني على رجل من أصحابه قال له: ويحك قطعت عنق صاحبك (قالها ثلاثاً) ثم قال من كان مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسب فلاناً والله حسيبه ولا يُزكّى على الله أحد، أحسب فلاناً كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه» أي لابد من علمك ويقينك لا ظنك بوجود تلك الخصال حتى لا تكون كاذباً فضلاً عن النفاق.

محمد علي الأطرش