فالرازق: هو الذي يعطي كل كائن حي ما يحفظ به حياته ويحقق به نموه، ويقضي به وطره من دنياه على النحو الذي يكفي ويشفي، وبالأسباب التي يحصل بها هذا العطاء وفق تدبير محكم مبني على علم سابق، وإرادة نافذة، وقدرة منفذة، فهو الخالق الذي خلق الخلق مع استغنائه عنهم، وأعطى كل شيء خلقه، وهداهم إلى ما فيه صلاح أمرهم، ورباهم على موائد كرمه، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنه.

فقولنا: هو الذي أعطى كل كائن حي ما يحفظ به حياته دل عليه قوله تعالى في سورة هود: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين). وقوله تعالى في سورة العنكبوت: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم).

ولكن للرزق أسباب لابد لحصوله من تحصيلها، فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة كما قال عمر رضي الله عنه فلا بد من السعي والعمل الجاد وعلى العبد أن يسعى وليس عليه تحصيل المطالب، فمن جد وجد ومن زرع حصد. «والجد في الجد والحرمان في الكسل» فلا يقعدن أحد عن العمل ويقول الله يرزقني.

يقول الله عز وجل: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور). ولو كانت الأرزاق تحصل بلا كسب ما أمر الله مريم رضي الله عنها أن تهز النخلة ليتساقط عليها رطباً جنياً، بل كان يسقط الرطب عليها من غير عناء ولا تعب بقدرته جل شأنه، ولكنه جعل للأرزاق أسباباً هي في قدرة الكائنات الحية

وليس الإنسان وحده هو المأمور بتحصيل هذه الأسباب بل إن الله ألهم جميع الكائنات أن تتخذ هذه الأسباب الموصلة للأرزاق المقسومة في الأزل. إن الله عز وجل تكفل بأرزاق العباد جميعاً - هذا أمر لا شك فيه - لكنه جعل الإنسان مكلفاً بزراعة الأرض وعمارتها واستخرج ما فيها فإن لم يفعل فما أدى وظيفته ولا قام بواجبه، ولا عبد الله في شيء. إن العبادة ليست مقصورة على الصلاة والصيام والحج والذكر، ولكنها تمتد وتمتد حتى تشمل كل عمل نافع وكل جهد مشكور.

فالعبادة في اللغة: الطاعة، والطاعة إنما تكون في ماأمر الله به ونهى عنه، كما قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب). ومن تتبع الكتاب والسنة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الحياة، وسيرة أصحابه الكرام البررة، وسيرة التابعين لهم بإحسان ـ عرف كيف يكون التوكل على الله في طلب الرزق وفرق بينه وبين التواكل.

صباح محمد