دعوة الإسلام من بدايتها استظلت بظل الحرية، والشاهد على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدع بما أمر به من ربه في مكة ولم يكن يحمل خنجراً يرهب به أحداً أو يجبره على الدخول في الإسلام، دعاهم بالحسنى، وعرض عليهم آيات القرآن الكريم التي كانت تدعوهم إلى الرشد، تلك الآيات التي استمع إليها نفر من الجن فآمنوا بها واستكبر واستعلى وعاند عبدة الأصنام.
وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم بهذه الكيفية ثلاثة عشر عاماً والذين حدث من مشركي قريش أنهم حجروا على النفر الذين اعتنقوا الإسلام بكامل حرية إرادتهم، ان يخرجوا عن دين الآباء.. دين الوثنية وعبادة الأصنام وبلغ بهم الشطط ان صاروا يعذبون كل من يعرفون انه «صبأ» على حد قولهم. فكانت الساحات في مكة تعج بالمعذبين ـ على ما هو معروف في كتب التاريخ والسيرة.
وقد مارس المشركون مع المسلمين كل ممارسات القهر، من ذلك حصار بني هاشم في شعب أبي طالب ومنع التعامل معهم فجوعوهم تجويعاً مريعاً، وانتهت أعوام التجويع والحصار الثلاثة، والتي كانت على أقسى صورة من الضغط على من يسمونه الصابئين بموت خديجة وأبي طالب اللذين كانا الكابح لقريش من ان تصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثر ما قد وصلت إليه
فاضطر إلى الذهاب إلى الطائف عله يجد استجابة من القوم بها فما كان الحال هناك بأفضل من مكة فعاد ليدخل إلى موطنه تحت إجارة احد مشركيها. ويأبى الله الا ان ينتشر الإسلام رغم أنوف المضايقين له، المحاربين له دون هوادة وعرف الذين دخلوا في دين الله معنى الحرية الحقيقية بحقوقها المختلفة، وسعدوا في ظله لأن الحرية في كل زمان هي سعادة الإنسان وهناؤه والتعبير عن تحمل مسؤوليته، فهو عندما يكون حراً يستشعر هذه المسؤولية.
لم يكره أحد منذ فجر الدعوة على الدخول في الدين ـ كما سبق أن أشرنا إلى ذلك ـ ويظل هذا نهج الإسلام إلى قيام الساعة، إنما هي تذكرة وإرشاد إلى طريق الهداية والخروج من نفق الضلال وظلامه ونقرأ هذا في آيات الذكر الحكيم. قال تعالى «لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم.
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» سورة البقرة ـ الآيتان 256 ـ 257. ونجد في آخر ست آيات من سورة الغاشية الخطاب يوجه مباشرة للداعية الأول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بأن عليه التبليغ دون إكراه لأحد فهو بما يتلوه عليهم من آي الذكر الحكيم مذكر لهم بما يفيدهم ولا سيطرة عليهم منه،
ومع ذلك تكون الملاحقة منهم له ولمن اتبعوه ليكرهوهم على ترك هذا الدين الذي لم يعرفوا عنه شيئاً من آبائهم الأولين، وهذا يجعلنا نشير إلى أنهم حتى عبادتهم للأصنام لم يكونوا أحراراً وإنما هم عبيد الموروث من العبادة والتقاليد مقيدون بسلاسل ذلك الموروث لا يستطيعون الفكاك منها. ونعود بعد هذا الاستطراد للآيات من سورة الغاشية من الآية 21 إلى الآية 26.
قال تعالى «فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمصيطر* إلا من تولى وكفر* فيعذبه الله العذاب الأكبر* إن إلينا إيابهم*ثم إن علينا حسابهم» من هذه الآيات وغيرها كثر يتضح جلياً أنه لم يكن هناك ثمة إكراه للدخول في الإسلام إنها دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان الطرف الآخر المعاند لم يكتف بعدم الاستجابة للدعوة وإنما تخطى ذلك إلى الصد عن السبيل،
إلى تعذيب من تطوع له نفسه اعتناق الإسلام حتى كان الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه من الرعيل الأول من المؤمنين بالهجرة إلى الحبشة ليأمنوا فيها مع الملك العادل النجاشي على أنفسهم وليتمتعوا بكامل الحرية في ممارسة شعائرهم،
لكن الآخر لم يعجبه ذلك فحاول أن يسلبهم تلك الحرية التي تمتعوا بها خارج أرضهم فأرسل وفداً ـ على ما هو معروف ـ برئاسة عمرو بن العاص ليكيدوا للمؤمنين لدى النجاشي ليطردهم من بلاده وهذه الحرية في الإسلام وعدم الإكراه في الدين هي من منطلق ـ كما تقول حورية الخطيب ـ «تنافي الإكراه مع طبيعة العقيدة نفسها،
من حيث كونها عنصراً نفسياً، ومن المحال تكوين أو تأسيس حقيقة نفسية بالإكراه، إذ الإسلام لا يشرع من الأحكام ما لا يستقيم مع طبائع الأشياء» وتستطرد حورية في كتابها «الإسلام ومفهوم الحرية» ص 28 مطبعة دار الملتقى القبرصية قائلة «وبديهي ان يكون في قوله تعالى: «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».
سورة الكهف الآية 29 دلالة وافية وكبيرة على ان الحرية قد أعطيت للإنسان دون قيد أو شرط في أمر من أخطر الأمور وادعاها إلى طلب الإجبار لو طلب من المسلمين، وهل هناك عندهم أمر أهم من إدخال الناس في الإسلام، ولكن النص الصريح لم يجز لهم ذلك بأية حالة، وما انتشار الإسلام واتساع رقعته ـ دون وجود الإكراه ـ الا الدليل الأوفى على أن هذا الدين استطاع ان يدخل إلى العقول والقلوب، ليترسخ ويتجذر في النفوس»
والا إذا كان هناك اكراه وأسلمة بحد السيف ـ كما يزعم أعداء هذا الدين ـ لوجدنا ان من يدخلون في الدين بهذا الإكراه يرتدون عنه بمجرد الخلاص من السيف المسلط عليهم «حسب الزعم»، لكن الأمر على عكس ذلك فالأمواج التي تدخل في الدين طوعاً واعتقاداً نجدها تتمسك بالدين وتموت في سبيل الدفاع والذود عن العقيدة.
فإذا كان الإسلام الذي لا يرضى ان يكره إنسان على اعتناقه، هل يرضى ان يعيش هذا الإنسان مسلوب الحرية في كل ما يتعلق بشؤون حياته من أمن وسبل كسب عيش غير محرمة وعقيدة وحرية بحث علمي وفكري وما إلى ذلك ونتعرض بشيء من التفصيل لاحقاً.