لا يوجد ميثاق شرف يتواضع عليه أصحاب الشركات التي تقدم للأسواق سلعا وخدمات متوخية الأرباح ولو على حساب جودتها وعدم إيذائها للمستهلك، وفي زمن تسيطر فيه الميول الاستهلاكية وتقدم على القيم والأخلاق والمنطق يصبح الترويج للمؤذي مباحاً ويصبح الترفيه المبذر مقبولا، ويتحول الناس إلى قطيع يمشي وراء البهارج حتى وهم يسرقون ويستغبون.

وما دامت الغاية هي جمع المال وإضافة الأصفار إلى يمين الأرباح وهي غاية غير نبيلة إذا تجاوزت حدود الصحة والمنطق وترشيد الإنفاق وتغليب البناء على التخريب والمفيد على الضار، فإن هذه الغاية صارت تبرر طيفاً واسعاً من وسائل الإعلان غير المشروعة وغير الأخلاقية، فالمال عادة غير أخلاقي إن لم تكن هناك دوافع دينية أو ضميرية داخلية أو رقابة صارمة خارجية.

فاستخدام المرأة بجمالها وجسدها وعريها لا يستغني عنه معظم الإعلانات حتى إعلانات المسامير والأخشاب. لا تعرف لماذا لا تباع السيارة إلا إذا كان في داخلها حسناء من الحسناوات، ولماذا لا تباع المكيفات إلا إذا تنعمت ببرودتها امرأة مسترخية على مقعد مريح ونسائم التكييف تعبث بفساتينها، ولا يباع الصابون والشامبو إلا إذا صور الإعلان في الحمام وظهرت فيه امرأة نصف عارية ـ بسبب الرقابة ـ وهي تستحم.

ترى ألا تشعر المرأة بأنها تمتهن وهي مجرد وسيلة للترويج عن البضائع والخدمات، ولماذا أصبح الجسد بخساً عند صاحباته إلى هذا الحد ليعرض أمام الملايين! لقد فطرت المرأة على الحشمة والحياء ولكن بريق الأموال أخرجها عن فطرتها وجعلها تقدم جسدها للعيون الوقحة المبحلقة فيما يشبه أسواق النخاسة في القديم.

تحول المرأة إلى مجرد مثير مرافق لسلعة يراد ترويجها مما يفقدها كرامتها هو إنجاز إعلاني غير حضاري وغير أخلاقي، وهو اليوم يلاحق المستهلك في وسائل الإعلام وفي إعلانات الشوارع والحافلات المتنقلة حتى وإن كان المقصود ترويج واحدة من خصائص النساء..... إعلانات عن ملابس داخلية، عن فوط صحية.... عن الحبوب الزرقاء وغيرها..... وكله مبرر ولا يشعر أحداً بعظم المصيبة وفداحة الكارثة.

عشرات بل مئات الفتيات يطمعن ويحلمن بأن يتحولن إلى فتيات إعلانات على الرغم من فطرتهن والموانع الدينية والأخلاقية والعيب في العرف الاجتماعي، سيما أن الإعلانات تمثل مرحلة انتقالية إلى عالم التمثيل والغناء حيث يبحث المنتجون والمخرجون عن فرائسهم من الوجوه الجميلة في فتيات الإعلانات.

المنطق الوحيد الذي يبرر هذا الانتحار الأخلاقي والاجتماعي هو أن المجتمع بمؤسساته التعليمية والتأهيلية وبمخططيه والقائمين على أموره لم يرحم أحداً... فهو لم يقدم فرص عمل راقية ومحترمة ودخله يكفي لأحد، حتى باتت الأحلام المتواضعة مستحيلة، فإذا كان الأب والأخ وابن العم يرون الويل ونجوم الظهر كل يوم لمجرد الستر فلماذا لا تندفع الفتيات إلى بيع كل شيء ولديهن ما يحقق أحلامهن مما ليس لدى الذكور؟

المشاركة في تصوير إعلان واحد كاف للحصول على مبلغ يعادل أضعاف الراتب المتوقع في حال وجود وظيفة وراتب، والمعيلون الذكور يعتصرون الصخر من أجل لقيمات وأثواب متواضعة وسكن مزر، فلماذا الدراسة والتحصيل اللذان يهدان الجسم والنفس إن كان الراتب في النهاية لا يكفي لشراء حذاء وحقيبة في الشهر نفسه.

أما «السوبر ستار» فتلك قصة أخرى.... نجوم غناء أو تمثيل ورموز فتنة وإغراء يوقعون عقوداً بالملايين التي لم يحلم بها آباؤهم وأجدادهم من أجل نصف دقيقة... كيف لا تنقلب المفاهيم وكيف يحافظ على الحدود الدنيا من العقل والمنطق والأخلاق... وكيف لا تبحث الفتيات عن فرصة لتوظيف أجسادهن في أسواق الإعلانات.

قيل ان واحدة من مغنيات هذا الزمن التعيس من رموز الإغراء والفتنة تتقاضى ألف دولار عن الدقيقة الواحدة في أي حفل ترويجي على ألا يزيد الحفل الترويجي أو حصتها فيه عن عشرين دقيقة ـ يعني عشرين ألف دولار ـ أما الإعلان المصور فثمنه ملايين لا يقدر من هو مثلي حتى أن يحلم بها.

عندما يتحول أمثال هذه إلى أصحاب الأموال والثروات الضخمة علينا الا نتوقع توظيفاً للمال في ما يخدم مصلحة عامة.... إنه جرس أخطار يقرع لأن المال يتحول شيئاً فشيئاً إلى المرابين والمتاجرين بالإنسان وعرضه وإلى أرازل الناس.

في مسرحية قديمة لعادل إمام يقول فيها لرجل بشاربين: «اتكل على الله واشتغل رقاصة» .... وإذا كان الناس قد ضحكوا يومها على ما اعتبروه طرفة فإن هذه الطرفة تحولت اليوم إلى أمنية مستحيلة عند ذكور كثيرين؟ فلماذا لا يشعر الذكر بالقهر لأنه لا يمتلك ما يوظفه في الإعلانات وأغاني الفيديو كليب.

شر بلية آخر يضحك ويبكي

ماهر سقا أميني