لا تختلف مظاهر الاحتفال بشهر رمضان وتكريمه في جنوب مصر عن صعيده غير أن أهل الصعيد يطغى الجانب الروحي لديهم على الجانب المادي، وكما يتبارى مسلمو العالم في التحضير والتهيئة لاستقبال الشهر الكريم بالمأكولات والمشروبات والعادات والتقاليد المتوارثة نجد الصعيد له عاداته وتقاليده الخاصة بكل قرية أو نجع أو حتى المدينة نفسها،
فمثلاً مدينة الأقصر جنوب مصر ومنذ الفتح الفاطمي لمصر ومهرجان الإعلان عن حلول رمضان يقام بها حتى الآن ويسمي «دورة رمضان» وتخرج تلك الدورة ليلة الرؤية في التاسع والعشرين من شهر شعبان ويسير خلال هذه الدورة وعلى سيارات مكشوفة تجار الأقصر ومختلف الحرف
والطوائف بها معلنين عن ثبوت رؤية هلال رمضان وهم يعرضون بضائعهم المختلفة فنجد تجار الفاكهة وهم يتزينون بأنواع الفواكه المختلفة، والجزارين وهم ممسكين بالسواطير وأدوات الجزارة المختلفة ورؤوس المواشي وحتى طائفة بائعي الأنابيب وكل ما يخص عادات الطعام في شهر رمضان وهم يغنون ويرقصون احتفالاً بقدوم الشهر الكريم
وعلى مختلف الطبقات الاجتماعية تحرص النسوة في الصعيد على خبيز الرخفان وخاصة ليلة الرؤية ورغم انه العيش المفضل في الصعيد إلا انه أصبح من المخبوزات الموسمية (وهو نوع من العيش يتم بداية نضجه تحت الشمس ثم يستكمل سواه داخل الفرن البلدي.
ومن العادات الموروثة أيضاً في أول يوم رمضان وخاصة في ريف الصعيد طهي اللحوم فهو يوم رحمة كما يتم عمل الشعرية وهي مصنوعة من الدقيق والسمن البلدي والسكر وتقدم حلواً بعد شراب البريك ذلك الشراب المصنوع من رقائق صغيرة من الدقيق المحمص يتم تليينه بالماء وتصفيته بشاش أبيض نظيف ثم تحليته بالسكر ويقدم شراباً مثلجاً على المائدة الرمضانية، وخاصة انه من عادات الإفطار في الريف شرب العصائر وأكل الحلوى فقط وبعد صلاة التراويح يتناولون العشاء.
كرم ريفي
ويتجلى كرم الريف في تجهيز موائد الفطرة (موائد الرحمن) على الطرق السريعة لمدخل القرية لضيافة المسافرين الصائمين على الطريق وهي تتم بمشاركة أهل القرية جميعهم بتقديم طبق مما صنعوه. وتختلف عادات السهر في شهر رمضان في الريف عنها في المدينة فنجد في الريف تستحضر النسوة بعد صلاة العشاء والتراويح
والتي يحرص عليها الجميع رجالاً ونساءً ومعهم الأطفال وكذلك بعد تناول العشاء تستحضر «الموقد» وهو وعاء كبير من الفخار تشعل فيه النار بالحطب وكسرات الخشب ويلتف حوله الكبار والصغار لسماع الحكاوي القديمة والأساطير التي يرويها الجدود للأولاد والأحفاد وهي عادات محببة لديهم فهم ينامون في غير رمضان بعد صلاة العشاء.
وليس من الغريب في الأمر أن تجد في الصعيد وعلى مختلف طبقاته الثقافية التمسك بعادة زيارة القبور والمدافن في أول يوم رمضان، فالكثير من البيوت تفضل زيارتها اعتقاداً منهم إن الميت يشعر بهم، لذلك فهم يحضرون معهم إفطار اليوم الأول ليتآنس بهم فقيدهم الغالي ويشاركونه هم وأطفالهم فرحة استقبال الشهر الكريم ولا تقتصر هذه العادة على هذا الشهر فقط بل هي عادة موسمية تتم في كل موسم وعيد.
ولا يختلف الصعيد عن الجنوب في عاده الفانوس والتي تصبح مهرجاناً لعرض أنواع وأحجام الفوانيس والتي تزين بها شرفات المنازل والبيوت وان اختلفت الصورة عن المعروف قديماً من اجتماع الأطفال بعد الإفطار مباشره في الأحياء والشوارع وبأيديهم الفوانيس المضاءة بالشموع وملونة بألوان مختلفة أحمر ـ أزرق ـ أخضر
وينتخبون من بينهم واحداً له صوت حلو ليغني «وحوي يا وحوي» وهم يردون عليه «اياحة» ثم يقول «بنت السلطان لبسه قفطان» ويردون عليه اياحه وهم يطوفون البيوت فيعطونهم بعضاً من الياميش والبلح فيغنون ساعتها «لوله فلان ما جينا ولا تعبنا رجلينا ولا رحنا ولا حينا».
كما لا يختلف المسحراتي في الصعيد عن شمال مصر غير أن عادات السهر تختلف، فهناك السهرات الرمضانية التي يتبارى فيها أثرياء الصعيد في اختيار كبار المقرئين لتلاوة القرآن الكريم في دور ضيافتهم «المندرة» ودواوينهم ويقدمون خلاله المشروبات الساخنة مثل الشاي ـ القرفة ـ القهوة ـ
أما في الصيف فيقدمون المرطبات المثلجة وفي الأيام الأخيرة من الشهر الكريم يقومون بنحر الذبائح وتوزيعها على الفقراء، غير أن أهالي الأقصر اعتادوا كذلك نساءً ورجالاً على صلاة التراويح في المساجد وقراءة القرآن طيلة ليالي الشهر الكريم، فهم يكثرون من التقرب إلى الله عز وجل.
الأقصر ـ صحر محمود :

