عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَثَل القلب مَثلُ الريشة تُقّلبهُا الرياحُ بفلاةٍ» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم( رواه ابن ماجه والإمام أحمد بن حنبل). هذا التصوير النبوي الشريف للقلب يمثل الريشة تقلبها الرياح في الصحراء هذه القلوب التي بين أصبعين من أصابع الرحمن.
قال « صلى الله عليه وسلم»: إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. وأيضاً «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا أفسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب». الله يا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على طاعتك.
والله يقول: (إنه لا إله إلا أنا مالك الملك والملكوت، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرحمة والرأفة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على ملوككم ولكن اشغلوا أنفسكم بذكرى والتقرب إليّ أكفكم ملوككم).
فالقلب الذي يذكر الله هو القلب الحي والقلب الذي لا يذكر الله هو القلب الميت والقلب المعلق بطاعة الله هو القلب التقي النقي ورجل قلبه معلق بالمساجد وتطهير القلب من كل الأمراض سبيله للسعادة في الدنيا والآخرة، من الحقد والحسد والكراهية. اللهم ثبت قلوبنا على طاعتك والهمنا الرشد في القول والعمل.
أيها الإخوة المؤمنون: تأملوا في بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم والدلالات القوية لكلماته: لايقصد بالقلب في هذا السياق الفني الناحية العضوية له بل تقصد مكامن الشعور والخواطر، فالكلمة ذات طابع روحاني منزاحة عن الأصل الحسّي، ويبدو أن الجمال متجلٍ في تجسيم المجرد وهو عالم الشعور إذ منح المخفي الغائب عن البصر شكلاً حسيّاً بل إنه منح الحركة فيها سرعة التقلب وطول زمن الفعل.
ثم هناك إضفاء من الروحانية على الحسي أو الطبيعي الذي هو الريشة المنزاحة عن الدلالة الصغر في الأصل المعجمي فباقترانها بالقلب اكتسبت سمات جيدة، وترفعت هنا عن الصفات الحسية المعهودة وصارت تعني القلب، كما صار القلب يعني الريشة. تتلقّف هذه الريشة رياحاً من اتجاهات متعددة، ترمز إلى الخواطر المتعددة المتنوعة: ربانية ملكية، نفسية شيطانية، فهي آخذة في العلو والهبوط تبعاً لنوع الخاطر العارض، وعدم التحكم بالمخاطر يعني عدم التحكم بالحركة.
ويمكن أن نردف بأن النص النبوي لم يستق من الطبيعة الريشة فحسب بل استقى منها الصحراء والرياح بملامحها الروحانية فكأن القلب البشري رهين رمز من رموز الطبيعة أسندت إليه الإرادة والقدرة التي تضعف معها بل تعجز قدرة البشر. ثم إن التلوين الفني يوحي بالضياع لأنه انتزع هذه الريشة من كائن حي، فصارت إلى زوال وفناء.
فثمة غرابة وانفصال وتمزق بعد أن كانت متصلة بالجسد حية بحياته فهي تشير بالغربة التي يريد في توضيحها مشهد إلقاء الريشة الكائن الضئيل في الصحراء الشاسعة الكائن الكبير وهي صحراء لا بساتين. والصحراء ترمز إلى الاتساع اللامحدود والضياع والمجاهيل عند العربي بحسب تجربته وهي دوائر بعد دوائر.
فهذه الريشة آيلة إلى البعد عن الرؤية، دوائر اختفاء وهو اختفاء تدريجي عن طريق دائرة آخذة في الانقباض، وهكذا نرى أن النزوع المتسامي إلى المشاهدات تصعد بها ويعزو الفكر متغلغلاً في حنايا هذه المشاهدات كاشفاً عن جمال خفي لها، وكأن الفن يوقظها من جمادها بما يسكبه من إضفاء الروحانية إلا أن هذا يعني أنها بلا جمال،
فالفن الحق يذكر بجمالها ولا يذكرها وينبغي ألا يبالغ في الإسقاط الروحاني، فغدت الطبيعة غاية بعد أن كانت وسيلة فنية لتجلي الفنون ولهذا لا نقول كانت بعيدة عن الإنسان، فكيف هذا وهو يتنفس في أضلاعها وهي امتداد أو جودة، لأنها غدت المقصد الأساسي بشرب الشاعر من ألبانها ويرضع العطف في أعطافها ويضفي عليها الطابع الإنساني لتمسي الصديق والمعشوق والأهل نافياً المجتمع وعلاقاته، ثم راح يضع فيها نسقاً خاصاً بمشاعره، وصار نسق المكان خاضعاً لنسق الفكرة والعاطفة