للطاقة والعبادة في شهر رمضان مذاق حلو، يتذوّقه من صفت نفسه وصلحت سريرته وعاش بالكلية مع خالقه عز وجل، وما دام الحق سبحانه وتعالى خلقنا لعبادته، فوجب علينا أن نكون دائماً في معيته، فلا ننصرف لحظة من لحظات حياتنا عن طاعته وعبادته،

حتى لا تتخلى عنا رحمته ولطفه وخاصة ونحن في شهر الرحمات والفيوضات، ومن كان الله معه كفاه وكلل جهوده بالخير والسعادة. قال تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة. (البينة 5).

وقال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (الذاريات 56) فالآية محمولة على المؤمنين، قال زيد بن أسلم: هو ما جيلوا عليه من السعادة والشقاوة، فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة، والأشقياء للمعصية وقيل غير ذلك لتوضيح الآية، ومنهم من قال: إلا ليوحدوا. وقال جماعة إلا ليخضعوا لي ويتذللوا.

ومعنى العبادة في اللغة: الذل والخضوع والانقياد، وكل مخلوق من الإنس والجن خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته منقاد لما قدره عليه، خلقهم على ما أراد، ورزقهم كما قضى، لا يملك أحد منهم لنفسه نفعاً ولا ضراً. والمسلم إذا أقبل على الله في عبادته وفي كل ما يقربه منه أقبل الله عليه، ومن أقبل الله عليه متعه بحياة طيبة سعيدة.

قال تعالى: ـ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (النحل 97)، وتزداد سعادة المسلم حين يقف بين يدي خالقه يناجيه ويدعوه أن يتقبل منه صلاته وسائر عبادته من صدقة وصيام وحج وذكر وقراءة للقرآن في شهر القرآن، وطول شهور العام.

ولا شك أنه بإخلاصه في عبادته وطاعته لخالقه يشعر بحالة من الرضا التي تقوده إلى المزيد من العطاء وتضفي عليه جواً من السعادة. روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس، من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة، من حافظ على الصلوات الخمس، على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن،

وصام رمضان وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، وآتى الزكاة طيبة بها نفسه، وأدى الأمانة. قيل يا رسول الله: وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، إن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها. (رواه الطبراني بإسناد جيد).

قال بعض الحكماء: لايجد الرجل حلاوة العبادة حتى يدخل في العبادة بالنية ويرى المنَّة لله، ويعمل بالخشية، ويسلمه بالإخلاص، لأنه إذا دخل فيه بالنية فيعلم أن الله تعالى قد وفقه لذلك العمل، وإذا رأى الله عليه المنة فيدخل فيه بالشكر فكان له من الله الزيادة، لأن الله تعالى قال في كتابه الكريم: لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (إبراهيم 7).

وإذا عمل بالخشية وجب ثوابه على الله تعالى، قال تعالى: ـ إن الله لا يضيعُ أجرَ المحسنين (التوبة 12) والثواب في الدنيا هي الحلاوة في الطاعة، وفي الآخرة الجنة، وإذا سلمه بالإخلاص تقبله الله، وعلامة القبول أن يوفقه لطاعة هي أرفع منه. ويكفي المسلم سعادته أن الحق سبحانه وتعالى يناديه من جملة بني آدم ويرشده إلى ما فيه فائدة ويعود عليه بالنفع والخير كما جاء في الحديث.

روي عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ربكم: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غِنى (أي أكثر عليك الخير فتشعر بالسعادة والسرور) وأملأ يدك رزقاً، يا ابن آدم لا تباعد مني أملأ قلبك فقرا) وفي رواية أخرى: أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسدّ فقرك.

روي عن الحسن رضي لله عنه قال: أربع من زاد الآخرة: الصوم صحة النفس، والصدقة ستر ما بينه وبين النار والصلاة تقرب العبد إلى ربه، والدموع تمحو الخطيئة. وقال الإمام السمرقندي: يقال: أصل الطاعة ثلاثة أشياء، الخوف والرجاء والحب، فعلامة الخوف، ترك المحارم وعلامة الرجاء، الرغبة في الطاعة، وعلامة الحب الشوق والإنابة.

والصائم الحكيم يكون أهلاً لتحقيق ذلك، حيث تقوده قدماه إلى أماكن الخير في رمضان وفي غير رمضان فينخرط في صفوف المحبين السعداء الذين يقضون أوقاتهم فيما يعود عليهم بالخير والمسرّة.

يقول المصطفى صلوات ربي عليه: إن الله فرض صيام رمضان وسننت لكمُ قيامه، فمن صامهُ وقامه (أي أدى صومه على الوجه الأكمل وتهجّد في لياليه وأطاع الله وأكثر من ذكره وحمده) وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. (أي نقت صحيفته وابيض وجهه وتطهر من الأدناس وعفا الله عنه كأن صحيفته في البياض والنقاء صحيفة طفل خالية من السيئات ملأى بالحسنات.

الصائم الموفق هو الذي يختم شهره بالطاعة وحسن العبادة ويتهجد في العشر الأواخر من رمضان ويكثر من قيام الليل وقراءة القرآن ومناجاة الخالق سبحانه وتعالى ويستمر على ذلك حتى ينتهي شهر رمضان كي يفوز مع الفائزين إن شاء الله. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في عبادته في شهر رمضان وفي العشر الأواخر منه.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: ـ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل كله وأيقظ أهله، وجدّ وشدّ المئزر. (أي اجتهد في العبادة واعتزل النساء)

وفي رواية لمسلم: ـ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكفت زوجاته من بعده. روى البخاري وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً.

وينبغي على المسلم أيضاً أن يكثر من هذه الأيام والليالي المباركة من الدعاء، فالدعاء هو العبادة أو مخ العبادة. روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها، قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.

ـ وفي ختام اللقاء.. دعاء ورجاء: ـ اللهم بارك لنا في شهرنا هذا، وأعنّا على صيامه حق الصيام واجعلنا فيه من المخلصين في طاعتهم لك وممن ينتفعون بصيامهم وصلاتهم، ويتمتعون بمعالي الأخلاق، فنحن نعلم أنه إذا صلحت الأخلاق، حسنت الآداب، وإذا حسنت الآداب شرفت الهمم، وإذا شرفت الهمم طابت المآرب وصرنا من الذين أنعمت عليهم على طريق الإخلاص، فأنت سبحانك محقق كل أمل، ومزكي كل عمل وأنت يا إلهي على كل شيء قدير.

ـ اللهم أعنّا في شهر رمضان على فعل الخير وبذل المعروف واجعلنا يا رب ممن يقصدون وجهك في كل خير يقدمونه لا يقصدون رياء ولا سمعة. اللهم اهدنا إلينا وخبرنا عن دواء نفوسنا وسلمنا من كل ردى واجعلنا نعرف قدر نفوسنا وقدر الآخرين، فإذا أعجبت النفس بالطاعة فعرفها باستحقاق المطاع إنك ولي ذلك والقادر عليه ولا حول ولا قوة لنا إلا بك يا ذا الجلال والإكرام، يا الله.

حامد واكد