انشغل التشكيليون كثيراً، بموضوع القديم والجديد، أو التراث والمعاصرة، وكذلك الأدباء والشعراء والموسيقيون وغيرهم من مزاولي الإبداع الشفاهي، أو المكتوب، أو المرسوم، أو المنحوت، أو المسموع. أكد بعضهم أن الأشياء القديمة الإيجابية، تظل موجودة، راسخة، ومطلوبة، في كل زمان ومكان، ويمكنها أن تأخذ طريقها إلى المعارض والتظاهرات والمناسبات، جنباً إلى جنب مع الحديث والمعاصر، من ضروب الإبداع،
حيث لا يوجد تناقض بين القديم والجديد، ومن الخطأ، تضييع الوقت في الجدل العقيم، حول الجديد والقديم، أو التراث والمعاصرة، ذلك أنه لا يأتي إبداع حقيقي، من فراغ. أما التغريب والانشغال بالحوارات العقيمة التي لا فائدة منها، فقد حملها إلينا الاستعمار الذي أنشأ التعليم الحالي بمناهجه التي تطرح الطريقة الأجنبيّة في التعامل مع البصريات.
الرواد الأوائل من التشكيليين العرب والمسلمين الذين درسوا وتخرجوا في مدارس الاستعمار، لم يرضوا أو يستسلموا لهذه النظرة، واستفادوا من المعارف الجديدة، لكنهم رجعوا في النهاية، إلى ذواتهم ليسألوا أنفسهم: هل هذا ما نحن نرغب في إنجازه، أم هناك شيء آخر، لا بد من البحث عنه والتقاطه، ليكون حاضناً أميناً، لبيئاتنا وتراثنا وعاداتنا وتقاليدنا، ومتماشياً مع مجتمعاتنا وهمومنا وتطلعاتنا؟
هذا التساؤل ـ المشكلة، قد لا يعاني منه الفنان التشكيلي الحروفي، لإيمانه أنه يشتغل على لغة بصرية مرتبطة بمورثه الحضاري المتميز والمتفرد، لكن إشكاليّة الاغتراب، ووجود القرين الغربي، والتقليد الأعمى، فموجود حتماً لدى التشكيليين الذين يشتغلون على المدارس والاتجاهات الغربية في الفن، والذين يشعرون أنهم يستنسخون ما جاءهم من الغرب، بنوع من البلادة، ما يحتم عليهم البحث عن الخصوصيّة التي تعيدهم إلى بيئاتهم وموروثهم ومجتمعاتهم.
الخطاطون العرب والمسلمون الذين تعمقوا في دراسة الخط العربي، وأبحروا في عوالمه الغرافيكية التشكيليّة والدلاليّة، وجودوا فيه سحراً خاصاً مرصوداً، ليس بمقدور غير المتمكنين والعاشقين له، من الوصول إليه.
واحد من هؤلاء، وأثناء بحثه، وجد رابطاً بين حرف الهاء والنقطة، وهذا كما يرى له دلالة صوتية واضحة، فميزان الحرف (كما يقول الفنان الحروفي السوداني تاج السر حسن) نقطة، ومحور دوران الكون نقطة، والإنسان خُلق من نقطة، والنقطة هي المطلق والمنطلق لكل شيء،
من هنا يجب أن ندفع الخط للتفاعل والمواكبة، لأنه يملك ذخيرة لا نهائية، تلتقي مع أي مزاج، وهو خزان كبير، يسعى العديد من الحروفيين لفتحه على فنون العصر، وفق إيقاعات موسيقيّة، وبناءات وحوارات بالكتلة والفراغ، بالخلاء والملاء.
الخطاط الإماراتي (حسين السري) يرى أن الخط العربي يملك إحساساً أكثر من الرسم، على الأقل بالنسبة له، فالخط يملك الصبر كونه أصعب الفنون الإسلامية، وهو هندسة روحانيّة ظهرت بآلة جسمانية هي اليد. الخط موسيقى العيون، وهو غذاء روحي يشبع المشتغلين عليه.
ويؤكد الخطاط (السري) أن موازين الخط تعتمد على حفظ القاعدة والخبرة والممارسة. الفنانون التشكيليون يعمدون إلى تمثيل حروف بمجرد شكل، أما هو فينجز لوحة فنية لها قواعد وموازين. بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر بين الخطاطين والتشكيليين،
تبقى محاولة توظيف قدرات الخط العربي في خلق منجز بصري معاصر، محاولة مهمة ونبيلة الأهداف والغايات، يجب دعمها ورعايتها ودراستها، لتأخذ أبعادها الكاملة، إن على صعيد اللوحة الحروفيّة التي تحاول فتح قدرات الخط العربي على فنون العصر، أو على صعيد اللوحة الخطيّة الكلاسيكية، فنحن بحاجة للتوجهين.
د.محمود شاهين



