مع تطور الحياة في مختلف المجالات بدأت البيئة تعاني الكثير، فقد جاء التطور العمراني والعلمي على حساب البيئة وما فيها من حيوان ونبات، وقد وصل التلوث إلى الأتربة والمياه الجوفية والغابات، ولكن أكثر بيئة تعاني من التلوث هي البيئة البحرية فهذه البيئة عانت ولا تزال تعاني الكثير
سواء بسبب الملوثات الصناعية أو بسبب المخلفات النفطية التي ترمي بها السفن في أعالي البحار إلا أنها أصبحت تهدد الشواطئ في مختلف دول العالم، وعندما نتحدث عن التلوث البيئي والبحري فلابد من الإشارة إلى التلوث الناجم عن المفاعلات الذرية والحروب الإقليمية والدولية،
حيث أصبحت الدول المتطورة صناعياً تستخدم أسلحة محرمة دولياً مثل الرصاص الذي يستخدم فيه اليورانيوم المنضب والذي بات يؤدي إلى أطفال مشوهين وآخرين مصابين بالعمى وآخرين يولدون موتى وهكذا. قال تعالى «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون».
الفساد في البحر
أشار الله سبحانه وتعالى إلى ظهور الفساد في البر والبحر، ويعد الفساد في البحر من أخطر أنواع التلوث، حيث ان البحار المفتوحة أصبحت مكباً لمخلفات المصانع، وهنا تقول مجلة الـ Economist البريطانية بأنه اذا استمر التلوث في البحر بهذا المستوى المعمول به حالياً فإن كارثة إنسانية ستقع،
حيث باتت أنواع كثيرة من الحيوانات البحرية مهددة بالانقراض فيما ماتت أنواع أخرى، وكذلك الحال بالنسبة لكثير من الطحالب والشعاب المرجانية التي تربي فيها الأسماك بيوضها، وأضافت المجلة ان الكثير من السفن التجارية تلقي بالملوثات على بعد أميال من الشواطئ،
حيث تدفع الأمواج والرياح هذه الملوثات إلى الشواطئ والسواحل القريبة من المدن، فإذا صدف وتم اصطياد أسماك ملوثة وأكلها فإن هذا التلوث ينتقل إلى الإنسان مما يؤدي إلى إصابته بأمراض خطيرة مثل السرطان.
وقالت المجلة انه تم خلال الأشهر القليلة الماضية وجدت أسماك ميتة على الشواطئ البريطانية والايرلندية والاسترالية والأميركية، وأنه بفحص هذه الأسماك تبين أنها ماتت بفعل مخلفات أكلتها وان هذه المخلفات تحتوي على نسبة عالية من الزئبق، مما يعني أن أي شخص يتناول أسماكاً فيها نسبة عالية من الزئبق فإنه سيتعرض إلى أمراض خطيرة تؤدي إلى فشل كلوي وقد تؤدي إلى العمى.
الدرس القاسي
في بحث طويل كتبته مجلة Mational Greography قالت: تدل نتائج الدراسات البيولوجية ان الإنسان اعتدى بشكل سافر على البيئة مما أدى إلى اختلال الموازين السائدة بين جميع الأحياء، وقالت المجلة ان التحليلات الجيولوجية أشارت إلى أن الأرض كانت مملوءة بالمخلوقات المختلفة قبل ان يظهر الإنسان عليها،
وأنه بعد ظهور الإنسان بنحو ثلاثة آلاف سنة انقرض من هذه المخلوقات 400 نوع. وأضافت المجلة ان المخلوقات التي تعيش على كوكبنا حالياً لا تمثل سوى 1% فقط من مجموعة المخلوقات التي كانت موجودة أصلاً، أي أن 99% من المخلوقات تم تدميرها وسحقها وانقراضها، وذلك خلال رحلة الإنسان (الحضارية) على هذه الأرض.
وأضافت المجلة ان الإنسان بدأ رحلة التشويه ضد البيئة عندما عرف الزراعة، حيث قضى على مئات الأنواع من الحشائش والأعشاب حتى يوفر لنفسه مساحة من الأرض ليزرعها، ورغم أن المساحة المزروعة على الأرض لا تتعدى 11% من المساحة الإجمالية إلا أن الإنسان يعمد إلى تدمير المساحات غير المزروعة باعتبار أن هذه الأعشاب أعشاب ضارة، وكذلك يفعل بالحيوانات.
فمنذ أن اخترع الإنسان البارود أصبحت مئات الأنواع من الحيوانات والطيور في عداد الماضي، مما أدى إلى خلل في البيئة أثر سلباً على الإنسان نفسه، حيث بدأ يعاني من هذا الخلل وينادي مستغيثاً بإنقاذ ما بقي من الحيوانات والنباتات البرية، وهكذا تكونت جمعيات غير حكومية تحاول بجهودها الخاصة ان تحافظ على سلامة البيئة من الضياع.
الفساد على الأرض
قال تعالى «ظهر الفساد في البر والبحر» وهذا يعني ان الإنسان أفسد بنفسه وبتصرفاته البر والبحر، فبالنسبة إلى البر فإن الغلاف الجوي لم يشهد في أي عهد أو عصر من العصور الفساد الذي يشهده حالياً، فلم يجن كوكبنا أي قدر من التلوث كالذي أصابه خلال الثلاثين أو الخمسين سنة الماضية،
فقد لوث الإنسان التربة والمياه والهواء وطبقات الجو العليا، ففي تقرير نشرته مجلة (Environment and Pollution) قالت: لقد أصيبت التربة بملوثات كثيرة وأصبحت ضارة جداً للإنسان، فقد ألقى فيها الكثير من الأسمدة الكيميائية المضادة للأعشاب والحشرات والآفات والنفايات الصناعية العديدة،
كما لوث المياه بمخلفات المجاري ومساحيق الغسيل التي تنتهي عادة في الأنهار والبحار مما أدى إلى رفع نسبة الفوسفات إلى حدود قياسية. كما لوث الإنسان الهواء بعوادم السيارات والمصانع، ورفع بذلك نسبة ثاني أوكسيد الكربون في الجو مع حساب الأوكسجين،
كما لوث الإنسان الجو بغازات سامة مثل أوكسيد الكبريت وأوكسيد النيتروجين الناجمة عن عمليات الاحتراق، وهذا بدوره أدى إلى ما يعرف بالمطر الحمضي، وهذه الأحماض عندما تنزل مع المطر وتستقر في التربة فإنها تقضي على كل حياة فيها، كما لوث الإنسان أيضاً غلاف الأوراق، وذلك من خلال تزايد غازات الكلور وغاز الهيدروكوربون.
وأضافت المجلة انه من المؤلم أن نسبة التلوث في الأرض وصلت إلى حد لا يمكن السكوت عليه ولكن الدول كلها وخاصة الصناعية منها لا تلقي هذه المسألة الكثير من الاهتمام وكأن الأمر لا يعنيها.
التلوث الالكتروني
وتشير المجلة إلى ان هناك نوعاً آخر من التلوث، وهو التلوث الالكتروني وهو ناجم عن إلقاء مخلفات عشرات الملايين من أجهزة الكمبيوتر والحاسبات الآلية وغير في الفضاء، حيث أن الكثير من هذه الأجزاء تحتوي على نسب قليلة من الكربون والزئبق، وعندما ترمى هذه الأجزاء في الفضاء الطلق فإنها تتعرض لدرجة حرارة عالية من الشمس تؤدي إلى انبعاث تلك المكونات في الهواء،
وبدوره الهواء ينقلها إلى الإنسان عبر التنفس، فيستنشق مواد سامة مضرة، وكذلك الحال إذا تم دفن هذه المخلفات في الرمال، فان تحليلها إلى مواد أولية يحتاج إلى مئات السنين. في الوقت نفسه تقوم هذه المخلفات بإطلاق موادها الأولية عبر التربة لتصل إلى المياه الجوفية وتلوثها، وهذا لا يعني أنه إذا تم دفنها في التربة ستؤدي إلى تلوثها في وقت أسبوعين أو ثلاثة.
ولكن يحتاج انبعاث المواد الأولية من أجهزة الكمبيوتر والحاسبات وغيرها عشرات السنين، ولأنها تكون موجودة بكميات كبيرة فإنه مهما صغر حجم المواد الأولية الضارة التي تطلقها فإنها في النهاية تصبح كبيرة ومضرة للإنسان والحيوان معاً. وعند الحديث عن هذه المواد لا يمكن أن ننسى الأضرار الناجمة عن دفن المواد الكيميائية والمخلفات النووية،
حيث يتم حفر آبار عميقة في باطن الأرض لدفنها وهذا يعني أنها أصبحت بعيدة عن سطح الأرض، لكنها أصبحت قريبة جداً من المياه الجوفية ومن الأنهار الباطنية، وبالتالي فإن أي استخدام لتلك المياه سيحمل معه كمية كبيرة من الإشعاعات النووية التي تؤدي إلى أمراض خطيرة على الإنسان وبالتالي ظهور أمراض جديدة لم تكن معروفة في السابق.
أما الانبعاثات التي تنطلق من مفاعلات نووية وكيميائية فهي لا تزال ماثلة للعيان، فالعالم لم ينس ضحايا مصنع (باهوبال) في الهند، حيث أدى انفجار بعض اسطوانات الضغط فيه إلى مقتل الآلاف بسبب استنشاقهم لغازات كيميائية سامة، وكذلك الحال بالنسبة إلى مفاعل (تشيرنوبل) الروسي الذي أدى إلى مقتل الآلاف وتشريد عشرات الآلاف،
إضافة إلى إصابة المصادر الطبيعية بالإشعاعات النووية، حتى أن الكثير من الأطفال في تلك المنطقة لا يزالون يولدون مشوهين رغم مرور عشرات السنين على الحادث، أما قصف أميركا لمدينتي نجازاكي وهيروشيما فلا أحد يمكن ان ينسى أن نحو 70 ألف شخص ماتوا في لحظة واحدة بالمدينة الأولى كما مات 130 ألفاً آخرون في المدينة الثانية، إضافة إلى ذلك فقد تعطلت الحياة في هاتين المدينتين لأكثر من 30 عاماً.
الأمم المتحدة والبيئة
أن أكثر الدول التي تعاني من المشكلات البيئية هي دول العالم الثالث، فهذه الدول ليست لها آليات فاعلة في استنزاف البيئة في بلادها كما أنها ضحية للشركات الغربية التي تستغل مواردها من جهة وتصدر إليها مواد ملوثة من جهة ثانية، ولهذا فقد اهتمت الأمم المتحدة بهذه المسألة وذلك في محاولة منها لمساعدة دول العالم الثالث على مواجهة الأخطار البيئة،
حيث يحتل برنامج الأمم المتحدة للبيئة موقعاً متقدماً في أولويات هذه الدول، إضافة إلى ذلك فإن مكتب العمل الدولي يلعب دوراً مهماً في الحفاظ على البيئة بشكل عام وعلى البيئة في دول العالم الثالث بشكل خاص،
حيث يقوم المكتب بجمع بيانات عن الشركات متعددة الجنسية التي تنتهك البيئة، ويقدمها إلى دول العالم الثالث وذلك لحمايتها من الاستغلال، كما ان المكتب يقدم استشارات إلى الدول النامية التي ليست لديها خبرة كافية في المحافظة على البيئة وصيانتها من الانتهاك.
وقد سبق لمكتب العمل الدولي ان حذر من ركض دول العالم الثالث وراء التنمية، حيث تقوم الدول الكبرى بتقديم عروض لها ولكن هذه العروض عادة ما يكون وراءها مصائب كبيرة لتلك الدول، حيث أشارت منظمة Green Peace إلى أن معظم المواد السامة والمواد التي تطلق إشعاعات نووية تدفن في دول العالم الثالث،
وقالت المنظمة ان بعض هذه الدول لا تعرف أن دولاً أخرى تدفن مخلفات إشعاعية فيها، حيث تتم مراقبة المنطقة عن طريق الأقمار الصناعية، وفي وقت ومكان محدد يتم إدخال تلك المواد إلى هذه الدول، في حين أن زعماء بعض هذه الدول يسمحون للشركات العملاقة أو الدول الأجنبية أن تدفن مخلفات خطيرة في أرضهم مقابل منافع شخصية.
ترجمة وإعداد ـ أحمد سلطان :
