من بين القضايا التي تعزز الاحتكاك بين العالم الإسلامي والغرب تلك المتعلقة بمفهوم حرية التعبير. وعلى خلفية هذه القضية ثارات على مدى العقود الثلاثة الماضية أكثر من أزمة فجرت أجواء خلاف ارتقى في بعض الأحيان إلى أزمات دولية ما زال الطرفان يعانيان من بعض تأثيراتها حتى الآن، فضلا عن استقرارها في الصور الذهنية لدى كل طرف عن الآخر.

ولعل أشهر هذه الأزمات تلك المتعلقة بالكاتب البريطاني الهندي الأصل سلمان رشدي وآياته الشيطانية، وتلك المتعلقة بالروائية البنغالية تسليمة نسرين وروايتها العار، وكذلك الأزمة المتعلقة بموقف حركة طالبان من تماثيل بوذا، وأخيرا وليس آخرا الأزمة الخاصة بالرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم. ويتعلق الخلاف بين الطرفين هنا بشقين الأول يمكن استيعابه رغم عدم إقراره والثاني يمثل محور الاختلاف الحقيقي.

أما الأول فيتمثل في وضعية المقدس في العقلية الغربية.. حيث أنه تم فعليا في الغرب تجاوز كافة المقدسات بما فيها تلك المتعلقة بالمسيحية الديانة الأساسية للغربيين وهو ما يرى معه العقل الغربي غرابة في ثورة البعض على انتهاك مقدساته.

وهو ما يعني ضرورة الأخذ في الاعتبار لدى مناقشة أي موقف غربي يتعلق بحرية التعبير الاختلاف الثقافي والحضاري هناك عنه على مستوى عالمنا الإسلامي. ففي ظل هذه الأجواء فإن الأديان أو الأنبياء ليس لهم نفس المكانة التي يحظون بها في العالم الإسلامي. ومع الإقرار بهذه الحالة فإن ذلك لا يجيز بأي حال من الأحوال انتهاك مقدسات الآخرين، وحتى ولو استنادا إلى معايير مدنية مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إن المشكلة التي يواجهها المسلمون مع الغرب في هذا الخصوص هو تصويرهم مع كل قضية على أنهم ضد الحرية وهو التناول الذي يكرس المفاهيم الخاطئة عن المسلمين ويعكس في الوقت ذاته تفسيرا خاطئا أو في أسوأ الأحوال أحاديا لحرية التعبير.

فضلا عن ذلك فإنه مما ينبغي الالتفات إليه حقيقة أن الحرية ذاتها مفهوم يسود الخلاف بشأنه سواء على المستوى النظري أم على المستوى الواقعي حتى في الإطار الغربي ذاته الأمر الذي يبدو واضحا في سياق رؤية فلاسفة غربيين.

وفي صدد الإشارة إلى أن الحرية غير مطلقة نشير هنا مثلا إلى مقولة إسبينوزا التي يقرر فيها «إن الحرية هي استقلال الإنسان عن كل شيء فيما عدا القانون الأخلاقي وحده» وكذلك ما ذهب إليه جون استيوارت ميل من أن الناس لهم حق التفكير والتعبير والعمل، كما يروق لهم بشرط عدم التعدي على حقوق الآخرين.

ويكشف ذلك عن أن مفهوم حرية الرأي في البلدان الغربية إنما يعاني من اختلالات، وهنا وعلى خلفية القضايا المشار إليها والتي مثلت أزمات في علاقات العالم الإسلامي والغرب، فإن النقطة الأساسية أن أي منصف غربي إنما يجب أن يقر بضرورة التفرقة بين الحرية والعبث، وكذلك أن حرية الرأي لا تعني التحرر من كل الأخلاقيات والمثل والمبادئ والإساءة إلى دين يؤمن به أكثر من مليار شخص.

ومن الصعب هنا القبول بما يروج له البعض في الغرب من ضرورة العمل بحرية مطلقة مهما كان ثمنها ومحتواها. وهنا فإنه مما يشير إلى الطبيعة الجدالية الخاصة بمفهوم حرية التعبير حتى في الإطار الغربي استطلاع رأي أجري في ألمانيا حول الإساءة إلى الأديان كشف عن رفض ثلثي الألمان السخرية من الأديان وجعلها مواضع لتبادل النكات والتهكم

وقد كان الكاثوليك الألمان أكثر حزما من البروتستانتيين في النظر إلى قضية السخرية من الإيمان والدين فرفضت نسبة 67% من الكاثوليك السخرية من الأديان وأيدهم 62% من البروتستانت وكان الرفض مشابها من قبل غير المتدينين الذين استنكروا بدورهم ـ بنسبة 51% ـ الإساءة إلى الأديان.

إن ذلك مثال واحد من بين أمثلة عديدة يمكن سوقها للدلالة على الخلاف الحاصل حول مفهوم حرية التعبير، ما يعني ضرورة استيعاب الغرب أنه ليس هناك رؤية مطلقة بشأن المفهوم، الأمر الذي ينبغي على أساسه التعامل مع مواقف العالم الإسلامي.

مصطفى عبد الرازق