خلاف بين رجل آتاه الله النعمة فبطر بها واشرك ورجل يطلب من صاحبه ان يتخفف من هذا الغرور وهذا البطر، يقول الله تعالى: (واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعًا، كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئًا وفجرنا خلالهما نهرًا، وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفرًا،
ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا، وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرًا منها منقلبا، قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً،
لكنا هو الله رَبِّي ولا أشرك بربي أحدا، ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالاً وولدًا، فعسي ربي أن يؤتين خيرًا من جنتك ويرسل عليها حسبانًا من السماء فتصبح صعيدًا زلقا، أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا، وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا) (الكهف: 32-42).
لقد ضرب اللَّه مثلاً للكافرين في وصف حال الكافر الغني المزهو بماله والمتكبر على الناس والجاحد لنعم الله، وحال المؤمن الذي امتلأ قلبه بالإيمان، وازداد ثقة باللَّه، فليس المال في نظره كل شيء، وإنما هو عرض من عرض الحياة الدنيا، الذي كتب عليه الزوال. وعرض القرآن أسلوب الحوار بين الغني الكافر والفقير المؤمن، فالكافر أطغاه ماله، والمؤمن أغناه إيمانه، والإيمان حقيقة لا تقبل الزوال.
أما المال فظل زائل وعارية مستردة، فرق بين من يتعلق بالأرض فتجذبه إليها فيعمي عن الحقائق، وبين من يتجه إلى الله فينفض عن كاهله غبار المودة وتلوثها، ثم كان الفصل والحكم في الدنيا قبل الآخرة؛ هذا الكافر وهو في أوج صلفه وغطرسته،
يصبح وقد ذهب كل شيء، فالمال وَلَّي، والجنة أهْلِكَتْ، فأي سند له في هذه الحياة، طالما تخلي عن السند الأعظم، فحلت به الهموم، ونزلت به الكوارث، وأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها، وتصدر منه كلمات تدل على أسفه وندمه، ولكن في وقت لا ينفع فيه الأسف ولا الندم، حسرة في الدنيا ثم عقوبة في الآخرة.
أما المؤمن فلم ينظر إلى الدنيا هذه النظرة، بل اتجه إلى خالقه، قيوم السموات والأرض، فالمال مال اللَّه، يعِزُّ به من يشاء، وما كان المال مصدر جاه أو عزّة عند العقلاء، والدنيا يعطيها لمن أحب من لا يحب، ولكنه لا يعطي الدين إلا من أحب، شتان بين غني المال وغني النفس، وشتان بين الجشع والشراهة، وبين الرضا والقناعة.
أما عن المثل وتصويره، يقول الشيخ محمد أبو زهرة: وهذا المثل الواقعي التصويرى فيه دليل على إثبات حقيقتين- أولاهما: أن المغترَّ دائمًا يدلي به غروره إلى أن يحكم على المستقبل بما هو عليه في الحال القائمة، والقوة الموهومة، فَذُو الْجَنّة والنفر ظن أن الحاضر ينبيء عن المستقبل وغرّه باللَّه الغرور، وتعالى من غير علو، وتسامي من غير سمو، واستقوي من غير قوة، فجاء المستقبل وخيب الأمل وكشف الحقيقة.
أما الحقيقة الثانية: إثبات أن الولاية والنصرة للَّه سبحانه وتعالى، وأنه وحده المالك للأمور كلها في ماضيها ومستقبلها، وشاهدها وغائبها، وبالتالي كان المثل دليلاً على وباء الغرور، وأن الأمر للَّه وحده. وقدم الشيخ أبو زهرة لهذا المثل بقوله: ومن الأمثلة الموضحة التي تثبت كمال سلطان اللَّه وأنه وحده القادر، وبطلان غرور الإنسان إزاء قدرة اللَّه تعالى إلى قوله سبحانه: ثم ذكر آيات المثل من الآية 32 إلى الآية 44، ص 383 من كتابه «المعجزة الكبري القرآن».
يقول الزمخشري موضحًا اسمي كل منهما: وكانا أخوين في بني إسرائيل، أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر اسمه يهوذا، وقيل: هما المذكوران في سورة الصافات في قوله: (قال قائل منهم إني كان لي قرين)، وأيد هذا النيسابوري، وذكر الألوسي اسمًا آخر للكافر قال: اسمه قرطوس، وقيل اسمه قطفير، أما المؤمن فاسمه يهوذا في قول ابن عباس،
وقال مقاتل: اسمه يمليخا، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أنهما أبناء ملك من بني إسرائيل، ثم قال: وقيل هما أخوان من بني مخزوم كافر هو الأسود بن عبد الأسد، ومؤمن هو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد (زوج أم سلمة قبل رسول الله «)، وقد ذكر هذه الرواية النيسابوري والزمخشري، كما ذكر الخازن روايتي الزمخشري، وأشار إلى رواية ابن عباس في أن اسم المؤمن يمليخا.
وقال: قيل نزلت هذه الآية في أخوين من أهل مكة من بني مخزوم، وهما أبو سلمة عبد بن عبد الأسد بن عبد ياليل وكان مؤمنًا، وأخوه الأسود ابن عبد الأسد وكان كافرًا، وقيل هذا مثل لعيينة بن حصن وأصحابه وشبههما برجلين من بني إسرائيل، ثم ذكر اسم كل من الرجلين.
وقد أشار الزمخشري إلى هذه الرواية كما ذكرها البيضاوي. ويضيف الألوسي إلى هذه الرواية قوله: وقيل هما أخوان من بني مخزوم كافر هو الأسود بن عبد الأسد، ومؤمن هو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، والمراد ضربهما مثلاً للفريقين والكافرين لا من حيث أحوالهما المستفادة،
مما ذكر آنفًا من أن للمؤمنين في الآخرة كذا وللكافرين فيها كذا، بل من حيث عصيان الكفرة مع تقلبهم في نعم الله وطاعة المؤمنين مع مكابدتهم مشاق الفقر، أي ضرب لهم مثلاً من حيثية العصيان مع النعمة والطاعة مع الفقر مال رجلين، وهو الكافر بستانين لم يعين سبحانه مكانهما إذ لا يتعلق بتعيينه كبير فائدة.
ويقول المفكر الإسلامي أبو الحسن الندوي في تفسيره لمعني «إشراك صاحب الجنتين. قال:إشراك صاحب الجنتين: إن صاحب الجنتين لم يكن مشركًا باللَّه كعامة المشركين، فليس في القرآن ما ينص على ذلك، أو يشير إليه، بل بالعكس يشعر أسلوب القرآن بأنه كان يعرف اللَّه ويؤمن به، فقد قال: (ولئن رُدِدْتُ إلى ربي لأجدن خيرًا منها منقلبًا).
فما كان شركه الذي تأسف عليه، وقرع عليه سن الندم: (يا ليتني لم أشرك بربي أحدًا)؟ الظاهر الذي لا خفاء فيه، أنه كان أشرك باللَّه الأسباب، فاعتقدها المصرِّفة المؤثرة، التي يرجع إليها الفضل في رخائه وثرائه، وازدهار ماله، واعتمد عليها، ونسي اللَّه، وكفر بتأثيره وتصرفه».
هذا التفسير فيه تَمَحُّلٌ وبُعْدٌ عن المعني المفهوم من سياق الآيات، فالرجل كفر باللَّه لأنه أنكر البعث، كما يقول الزمخشري: جعله كافرًا بالله جاحدًا لأنعمه لشكه في البعث كما يكون بالرسول « كافرًا، نقلاً من الكشاف جـ 2 ص 390.
ثم ما هو شرك عامة المشركين؟ أليس على رأس قائمة المشركين كفار مكة الذين كانوا يعبدون الأوثان ويقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)؟ أليس إنكار البعث كفرًا باللَّه؟ يقول النيسابوري: زعم الجمهور أن أخاه إنما حكم بكفره لأنه أنكر البعث،
وأقول: يحتمل أن يكون كافرًا باللَّه أيضًا بل مشركًا لقوله بعد ذلك: (يا ليتني لم أشرك بربي أحدًا)، ولقول أخيه معرضًا به: (لكنا هو اللَّه ربي)، وليس في قوله: (ولئن رددت إلى ربي) دلالة على أنه كان عارفًا بربه لاحتمال أن يكون قد قال ذلك بزعم صاحبه.
فالكفر كله ملة واحدة، فمن أنكر معلوما من الدين بالضرورة فقد كفر، كيف وقد أنكر البعث. ويؤيد هذا ما قاله المفكر الإسلامي «أبو الأعلي المودودي»: مع أن هذا الرجل لم يكن ينكر وجود الله، بل كان يعتقد بوجوده تعالى، ويؤمن به كما هو ظاهر من قوله: (ولئن رددت إلى ربي)، إلا أن صاحبه رماه بالكفر باللَّه،
ذلك أن الكفر باللَّه لا يعني محض إنكاره وجوده تعالى، بل إن الاستعلاء والتفاخر وإنكار الآخرة كفر باللَّه كذلك. وإذا كان إشراك الأسباب واعتقاد التصرف عن طريقها كفرا، كما يقول الندوي: فمن باب أولي إنكار البعث، وهو أمر ظاهر من خلال حديثه، وطالما أن الأمر واضح، فليس هناك ما يدعو إلى التماس تفسير قد يكون بعيدا عن السياق والمفهوم منه.
ويعلق الأستاذ عبد الكريم الخطيب على هذا المثل بقوله: هذا هو الموقف في هذا المثل.. تسير فيه الأحداث سيرًا طبيعيا... ثم يبين أن القرآن أمسك بالصورة البارزة من صورة الخلاف بين الرجلين رجل آتاه الله النعمة فبطر بها وأشر، وبين رجل يطلب من صاحبه أن يتخفف من هذا الغرور وهذ البطر، ويصلان إلى مرحلة التحدي. صاحب الجنتين يتحدي بهما القدر وصاحبه يفزغ إلى قدرة اللَّه أن تبطل هذا التحدي ثم يقول: ويجيء يوم فإذا صُبْحُهُ ينكشف عن حدث مروع تهتز له آفاق الجهة التي يعيش فيه هذان الرجلان.
وكالة الصحافة العربي