عرف العرب أطفالا لهم نابغين، لهم قرائح مذهلة .من ذلك ما رواه عبيد الله بن أحمد بن طاهر في كتابه الذي ذيّل به كتاب أبيه تاريخ بغداد، أنه قال الشعر صغيرا وتصادف أن قال له الوزير أبو الصقر إسماعيل بن بلبل في حضورأبي عبد الله أحمد بن أبي فَنَن : بلغني أنك تقول الشعر فأسمعني فأسمعه عبيد الله فتشكك أبو الصقر أن يكون من شعر عبيد الله فقال له إني سأمتحنك، وفكر وقال له أجِزْ :
أنت غلام شاعر خبيثُ
فأكمل في الحال فقال :
أنت امرؤ بجوده يُغيثُ
يُعْجِلُ ما يعطي ولا يَريثُ
لك القديمُ ولك الحديثُ
ثم جيء بالطعام وكان فيه ( كباب ) فقال ابن أبي فنن :
كبابٌ رشيديٌ إذا ما رأيتَهُ
ونظر لعبيد الله الذي قال في الحال مكملا :
وإن كنتَ شبعانا قَرِمْتَ إلى الأكلِ
فقال له : أنت أشعر الصغار والكبار !
ـ والشيء بالشيء يذكر، ففي زمن الخليفة الأُمويّ هشام بن عبد الملك أصاب الباديةَ قحطٌ شديد إذ أمسكت السماء ماءها واستمر الأمر ثلاث سنوات فهُرِعَتْ الوفود إلى هشام وكان أحد أعضاء الوفود قد اصطحب ولده معه وكان يبلغ نحو عشر سنوات . فلما رآه هشام عَبَسَ وغضِبَ وكان فظا غليظا، ونادى غلامه وقال له بصوت جهير : ما شاء أحد أن يدخل علي إلاّ دخل حتى الصبية ! ففهم الغلام أنه المقصود، فوثب حتى وقف بين يدي الخليفة
وقال : يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى إذا أعطى عبده قلبا حافظا، ولسانا لافِظا فقد أعطاه الخير كله . وإنّ للكلام نَشْراً وطيًّا، ولا يُعرف طيُّهُ إلاّ بنشره، فإن أذن أمير المؤمنين بنشره نشرتُه إن شاء الله، فانذهل هشام لثبات الغلام ورباطة جأشه، وفصاحته وفهمه، فقال له : انشر كلامك لله دَرُّك ! قال : يا أمير المؤمنين، لقد تعاقبتْ علينا سنون ثلاث .
سنةٌ أذابت الشَّحْم، وسنةٌ أكلتِ اللحْم، وسنةٌ دَقَّتِ العظم .. وفي بيوت أموالكم فضلُ مال . فإن كان للمسلمين فلِمَ تحبسونه عن أصحابه ؟ وإن كان لله فلمَ تمنعونه عن عباد الله ؟ وإن كان لكم فتصدقوا به، فإن الله يحب المتصدقين ! فأُعجب هشام بالغلام وقال : ما ترك لنا واحدة من الثلاث ! وأمر بفتح بيت المال للوفود فأعطاهم ما أرضاهم وأمر للغلام بمائة ألف درهم .
ـ وروي أن الشاعر الفحل الفرزدق وقف ينشد الناس شعرا وقد تجمع حوله جَمٌّع غفير، وكان من بينهم طفل ظهرت عليه علائم الإعجاب فلاحظ الفرزدق ذلك، فقال له : هل يعجبك ما تسمعه يا بنيّ ؟ قال نعم . والله لقد أحسنتَ يا عمّاه .
قال له الفرزدق : هل كان يسرّك أن أكون أباك ؟ قال الطفل على الفور : أما أبي فلا أقبل به بديلا، ولكن كان يسرني أن تكون أمي ! فأفحم الفرزدق وتسلل منصرفا بين ضحكات الناس . بقي أن نعلم أن هذا الطفل هو الشاعر الكبير الكُمَيْت بن زيد الأسدي . وإلى أمسية الغد إن شاء الله تعالى .