تدلنا كتاباته على إلمامه ببعض العلوم الحديثة التي يجيد الانتفاع بها في تأويل الإسلام، لقد أحسن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف المصرية صنعاً، إذ نشر كتاب «الوحي المحمدي» الذي وضعه الشيخ رشيد رضا صاحب المنار، وهو سوري الجنسية، تنتسب أسرته إلى الأسرة النبوية كما يؤخذ من تلقيبه بلقب السيد.!
وقد تلقى العلم في مدارس طرابلس بسوريا على الطريقة التي كان يتلقى العلم بها الشيوخ والعلماء، وعندما أتم دراسته أعطاه شيوخه شهادة العالمية في سنة 1897.! كان أستاذه في دراساته العليا الشيخ حسين الجسر، وهو عالم سوري ألف كتابا دافع فيه عن الإسلام وسماه الرسالة الحميدية، وأهداه إلى السلطان عبدالحميد العثماني.
ولم يذكر لنا محمد رشيد رضا شيئا كثيرا عن أثر الشيخ حسين الجسر في آرائه الأخيرة، ولعل ما ذكرناه عن حسين يخول لنا الزعم بأنه ربما هيأ عقل تلميذه لنوع من الميل إلى آراء الشيخ محمد عبده التي اعتنقها فيما بعد.! والسيد رشيد رضا، قبل لقاء الشيخ الإمام،
كان قد مال إلى التصوف، واشتغل بالعبادة وأخذ النفس بالتقشف والزهد، ثم أخذ يعلم القرآن للعامة من أهل قريته، ويبين ما جاء فيه من آيات للترهيب، والإنذار، مغلبا الخوف على الرجاء، والزهد في الدنيا، على القصد والاعتدال فيها.!
وكان أكبر ما يشغل باله صحة العقيدة وصدق العبادة، وإذا خطر له الإصلاح على بال فإنما كان لذلك صبغة محلية بحتة، فلما قرأ العروة الوثقى تغير كل ذلك، فدعوتها إلى إصلاح الإسلام في جملته، والى استعادة عزته ومجده وسلطانه، واسترداد ما ذهب من ممالكه، وضع نصب عينيه مثلاً أعلى، وبعث فيه أماني جديدة،
وهو يقول: ان معلمه الأول كان كتاب الاحياء للغزالي، وهو أول كتاب استحوذ على لبه وقلبه، أما معلمه الثاني فكان صحيفة العروة الوثقى وهي التي غيرت مجرى حياته.! وكان من أثر قراءته لهذه المقالات أن أحس بالرغبة في الاتصال بجمال الدين الأفغاني، الذي كان في الأستانة حينذاك، وكتب إليه بذلك، ولكن لم تتحقق هذه الأمنية لأن جمال ظل في الأستانة إلى أن توفي بها.!
وأراد رشيد رضا بعد وفاة جمال الدين الذهاب إلى مصر ليتصل بالشيخ محمد عبده، ولما سنحت له الفرصة بعد إتمام دراسته في طرابلس، غادر سوريا موليا وجهه شطر مصر في شهر رجب سنة 1315ه/ 1897م وفي الضحوة الصغرى لليوم الذي وصل في ليله إلى القاهرة، بحث عن الشيخ محمد عبده وتتلمذ عليه..
وهكذا بدأت بينهما الصلات، ثم استمرت في ود متزايد إلى ان توفي الإمام في سنة 1905م.! وكان الشيخ محمد عبده يحب تلميذه جداً ويطمئن إليه، أما رشيد رضا فكان متيما بأستاذه، ويجله إجلالاً لا حد له، ويشيد بذكره، ويصفه بأنه حجة الإسلام في العصر الحديث.. ولا ريب عند الباحث في آثار السيد رشيد رضا انه كان على قدر كبير من الثقافة الإسلامية،
ومن ثم كان يبدو متجاوبا جدا مع أستاذه في تقريراته وشروحه لأقواله، وأعظم ما تبدو كفايته في علوم الحديث.. وكان لابد من ان يبرز رشيد رضا في هذا الميدان، وذلك لان الحركة التي أنشأها الشيخ محمد عبده علقت أهمية كبرى على السنة الصحيحة وحدها لتكون مصدراً أساسياً من مصادر الإسلام في صورته الجديدة..
حتى ليقول جولد زيهر: (ان مقدرة رشيد في نقد الأحاديث المختلفة وما أظهره من الكفاية العظيمة في ذلك تذكرنا أحيانا بالنقدة من علماء الحديث المتقدمين).! كما تدلنا كتاباته أيضا على إلمامه ببعض العلوم الحديثة التي يجيد الانتفاع بها في تأويل الإسلام وفي الدفاع عنه.!
ومن هذا المنطلق كانت دفوعه المتوالية على صفحات مجلة المنار، أو مؤلفاته العديدة ومنها هذا الكتاب المعنون ب: «الوحي المحمدي» والذي يقول عنه مؤلفه: (أما بعد فإنني أقدم لهم هذا الكتاب الذي صنفته في اثبات (الوحي المحمدي) وكون القرآن كلام الله عز وجل،
وكونه مشتملا على جميع ما يحتاج إليه البشر من الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي والمالي والحربي، وقد أطلت في بيان هذه المقاصد الأساسية بعض الإطالة، لأنها مثار جميع الفتن والمفاسد التي يشكو منها عقلاء هذا العصر،
وأما توفية هذا الموضوع حقه فلا يكون إلا في سفر كبير أو أسفار يجمع فيها مقاصد القرآن كلها مع بيان حاجة البشر إليها في أمور معاشهم ومعادهم، وهو ما أبينه في تفسير المنار بإجمال قواعد كل سورة وأصولها في آخر تفسيرها، بعد بيانها بالتفصيل في شرح آياتها.!
على أنني لم أكتب هذا البحث أول وهلة لهذا الغرض، وإنما بدأت منه بفصل استطرادي لتفسير آية: «أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم» سورة يونس الآية، الخ، من أول سورة يونس بينت به الدلائل القطعية على ان القرآن وحي من الله تعالى كان محمد صلى الله عليه وسلم يعجز كغيره من مثله بعلمه ولغته وتأثيره،
وأنه ليس وحيا نفسيا نابعا من نفسه كما يزعم بعض الباحثين من الافرنج وغيرهم، وانه أعم وأكمل وأثبت من كل وحي كان قبله، وأن حجته قائمة على المؤمنين بالوحي التشريعي وعلى غيرهم.! ثم بدا لي في اثناء كتابته ان أجرده في كتاب خاص أدعو به شعوب الحضارة المادية من الافرنج واليابان إلى الإسلام بتوجيهه أولا إلى علمائهم الأحرار.
حتى إذا اهتدوا به تولوا دعوة شعوبهم ودولهم إليه بلغاتهم، ولهذا زدت فيه على ما كتبته في التفسير، ووضعت له الخاتمة التي رحت فيها بالدعوة وجعلتها هي المقصودة بالذات منه. ولو أنني قصدت هذا منذ بدأت بالكتابة لوضعت له ترتيبا آخر يغنيني عن بعض ما فيه من الاستطراد والتكرار تحقيق كل مسألة في موضعها، على أن بعض التكرار متعمد فيها،
ولكنني كتبته في أوقات متفرقة وحالات بؤس وعسرة، لا أراجع عند موضوع منه ما قبله، ولا أعتمد إلا على ما أتذكره من القرآن نفسه على صعوبة استحضار المعاني المتفرقة في سوره، وإلا بعض الأحاديث في مواضعها من كتبها لتخريجها والثقة بصحتها،
واني أحيل القارئ له في كل اجمال على مراجعة تفسير المنار في تفصيله، وفي كل اشكال على مراجعة محرره.! وإذا ذكر الشيخ رشيد رضا فلابد من ذكر مؤسسة المنار الصحفية وتفسير المنار، أما الصحيفة فقد وضع لها شروطا اتفق عليها مع الإمام محمد عبده، وهي كما يلي:
1ـ ألا تتحيز لحزب من الأحزاب.
2ـ ألا ترد على جريدة من الجرائد التي تتعرض لها بذم أو نقد.
3ـ ألا تخدم أفكار أحد من الكبراء.
وطلب الأستاذ الامام ان تطبع الجريدة الجديدة في المطبعة الأميرية، تجنبا للدس والمؤامرات، وراسل صاحب جريدة الرائد المصري ليساعد الشيخ رشيد في تسويق الجريدة التي اختار لها الاسم «المنار» وصدر العدد الأول من الجريدة في 17 مارس سنة 1898، وحددت خطتها وهي نشر الإصلاحات الاجتماعية والدينية والاقتصادية، وإقامة الحجة على ان الإسلام، باعتباره نظاما دينيا، لا يتنافر مع الظروف الحاضرة..
وأوضحت هذه الافتتاحية أيضا ان غاية رشيد رضا من إنشاء المنار، مواصلة السير على نهج العروة الوثقى، وخاصة في سعيها للقضاء على الخرافات والاعتقادات الدخيلة على الإسلام، ومحو الأفكار الشائعة عن القضاء والقدرة وما دخل على العقائد من بدع الاعتقاد في الأولياء، وما تأتيه طرق المتصوفة من بدع وضلالات،
ثم الحض على ترقية التعليم العام، وإصلاح كتب التدريس وطرائق التعليم، ودفع الأمم الإسلامية إلى مباراة (منافسة) الأمم الأخرى في جميع الأمور الضرورية لتقدم الأمم.! أما تفسير المنار فهو الاسم الذي أطلق على تفسير القرآن الذي بدأه الشيخ محمد عبده ثم واصله بعد وفاته الشيخ رشيد رضا.. ولعله من المناسب ان يقرن التفسير باسم المنار،
لأنه كان ينشر أولا على صفحة جريدة المنار، قبل ان يطبع على شكل كتاب مستقل، ولأن صاحب المنار ـ (الشيخ رشيد) ـ كان له إلى حد كبير، الفضل في إخراجه.! ولما اصدر الشيخ رشيد رضا الجزء الأول، نشر فاتحته في المنار وأفاض فيها في نقد المناهج المختلفة التي سلكها المفسرون في تفسير القرآن، وبخاصة ما تعلق منها بالروايات المأثورة عن الصحابة والتابعين..
وهو يقرر أن أكثر التفاسير السابقة تشتغل أولا بمناقشات في المصطلحات اللفظية، أو الجدل الكلامي وتأويلات المتصوفة، وبما نشأ من الخلاف بين الفرق. وزاد الفخر الرازي أمراً آخر، هو ما يورده في تفسيره من الآراء العلمية التي كانت معروفة في عصره، وقلده في هذا أحد المفسرين المعاصرين ـ (لعله يشير رحمه الله إلى الشيخ طنطاوي جوهري) ـ فانه يكثر الكلام على العلوم الحديثة، مثل علم الفلك، وعلم النبات، وعلم الحيوان فيما يسميه: «تفسير الآية».!
وليس من شك في أن بعض العلوم وسائل ضرورية لفهم القرآن، أو معينة على فهمه، ولكن الشيخ رشيد رضا يرى ان استخدام هذه العلوم إلى الحد البعيد الذي ألفه المفسرون، يشغل القارئ ويصرفه عن القصد الحقيقي للكتاب المنزل.!
وقد أورد رأي ابن تيمية في شيء من التطويل، وأبى ان يصدق الإسرائيليات، سواء ما صح منها وما كان باطلا في ذاته، بما في ذلك ما كان سنده كعب الأحبار أو وهب بن منبه، مع ان قدماء رجال الجرح والتعديل، كما يقول: «اغتروا بهما، وعدلوهما بالرغم مما ظهر لنا من كذبهما».!
والنتيجة التي يصل إليها من هذا كله هي انه يجب ألا نصدق الروايات المأثورة إلا إذا أيدها الحديث الصحيح المروي عن صحابي والمرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. وقد أرجع البعض المؤثرات الظاهرة في إيجاد هذه المدرسة الدعوية القوية فيما يلي: أولا: آراء الغزالي في الآداب الدينية.
ثانيا: النزعة المبالغة في المحافظة على الأصول عند اثنين ممن أوتوا موهبة في التجديد ومحاربة الوثنية أو قل الخرافة في القرن الثالث عشر الميلادي، وهما: الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
ثالثهما: ضرورة المسايرة لحاجات التقدم الحديث. فأما المؤثر الأول فتجده في آثار الشيخ رشيد وكذلك الأستاذ الإمام، والمؤثر الثاني وهو نهج ابن تيمية وقد تم تطبيقه أو تطبيق بعضه على أرض الواقع على أيدي الوهابيين في السعودية، ولا ريب ان كل دعوات الإصلاح بعد الوهابية استفادت من تجربة الوهابيين.!
بقلم: علي عيد
