أكد الدكتور عبدالمعطي بيومي المفكر الإسلامي أن العالم الإسلامي بحاجة إلى منهج فقهي جديد يراعي متطلبات العصر والحياة، حتى لا يصطدم واقع المسلمين بنفايا تراثية مضى عليها أزمنة كثيرة. وأشار الى أن اختيار عدد من النواب بالبرلمان المصري كأزهريين لا يمثل سوى تقدير لدور الأزهر الشريف كضمانة من القيادة السياسية بأن كل ما يصدر من تشريعات يتماشى مع الصبغة الإسلامية، وليس كما يردد البعض بأنه نوع من الموازنة بين كتلة نواب الإخوان التابعة لجماعة الإخوان المسلمين التي ترى الدولة أنها محظورة.
*وجود بعض رجال الدين تحت قبة البرلمان المصري بقرار ما رأيكم فيه؟ ـ أرى أنه من الطبيعي في مجلس الشعب (البرلمان) أن يوجد به أزهريون، فعبر 20 عاماً مضت توافر رجال الدين في مجلس الشعب، وهذا الأمر يأتي انطلاقاً من حرص القيادة السياسية على ألا يسن أو يشرع أي قانون يخالف العقائد والشريعة الإسلامية لأن هذا هو النص الوارد في الدستور، ثم إن هذا الاختيار يعكس الحرص على إبراز دور الأزهر وتقديره.
* لكن ما تفسيرك للأقوال التي انتشرت عقب اختياركم، بأنه محاولة لوضع جهة احتياطية للرد على تكتل الإسلاميين بالبرلمان، خاصة وأن عددهم بلغ سبعة أعضاء ؟ ـ الأزهريون في البرلمان اثنان أنا واحد منهما، وكان الأزهريون اثنان أيضاً في المجلس الأسبق، هما الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق وأحد مشايخ الأزهر إضافة لذلك،
ولأن الأزهريين غالباً ما يحجمون عن خوض معركة الانتخابات بكل ما فيها من سلبيات، فلعل ما أريد من اختيار أزهريين ليحلا محل الأزهريين في المجلس السابق هو ضرورة وجودهم تحت القبة البرلمانية، أما وجود عدد من نواب التيار الإسلامي في المجلس فلا يستوجب من الحكومة اتخاذ أي احتياطات إضافية وبالفعل لم تتخذ الحكومة أي احتياطات، وأنا شخصياً لا أرى في وجود الإخوان المسلمين مشكلة في المجلس.
نقل الأعضاء
* ترك المجلس السابق موضوعات كثيرة معلقة في اللجنة الدينية لم يتم حسمها وعلى رأسها مسألة إباحة نقل الأعضاء فماذا أعددتم بشأنها في الوقت الحالي ؟ ـ غالباً سيتم عرض هذه القضية على المجلس الحالي ونحن جاهزون لها بالدراسة والتحليل ولن نقر شيئاً مخالفاً للإسلام أو المسيحية على الإطلاق،
ومن جهتي الشخصية أوافق على نقل الأعضاء بشروط وضوابط قانونية وشرعية أسوة بعدد كبير من الدول الإسلامية التي أقرت نقل الأعضاء ومنها السعودية والأردن وسوريا والمغرب، وكنت أتمنى أن تكون مصر هي الرائدة في هذا، لوجود الأزهر بها ولوجود أطباء فيها هم محط أنظار العالم،
لكن يجب أن يكون الأمر في مجال الشرع لا في مجال البيع والشراء لأن بيع الإنسان كله أو بعضه محظور، كما يجب ألا يكون في مقابل هدايا وأن يشرف على المسألة مركز واحد على مستوى الدولة توكل إليه كل الضوابط حتى لا تتحول إلى تجارة.
* قتل الرحمة أيضاً من القضايا التي طرحتها اللجنة الدينية على المجلس السابق ولم تحسم حتى الآن فما رأيكم فيها ؟ ـ لا يوجد في الإسلام شيء يسمى قتل الرحمة، لأن إنهاء الحياة ممنوع سواء عن طريق النفس أو الغير، فالإنسان لا يملك نفسه لينهي حياته، وقد اتفق الأطباء على وجود ثلاث حالات من الغيبوبة العميقة التي تشتبه على الأطباء والباحثين منها تحديد مسألة الموت الإكلينيكي.
الجاسوسية
*ثارت قضية دينية جديدة عقب القبض على الجاسوس الإسرائيلي مؤخراً عندما أعلن الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية الأسبق أن الدفاع عن الجواسيس حرام فهل هذا صحيح ؟ ـ أعتقد أن للدكتور واصل وجهة نظر في هذا، لأن الجاسوس الذي يخون بلده تحتسب عليه خيانة عظمى فكيف يستحل محامي أن يكون وكيلاً في الدفاع عنه إذا ثبت بالطرق الرسمية يقيناً أنه يخون بلده..
لكن إذا كان دور الدفاع سيقتصر على التحقق من التهمة ومساعدة النيابة في التحقق من ثبوت التهمة أو عدمها.. عندها تكون وجهة النظر هذه مختلفة لأنه يبصر النيابة بما يرى ويخفى عليها. إذن الحكم الشرعي متعلق بأمانة المحامي، فإذا كان يعتقد بينه وبين الله أن هذا الجاسوس بريء وأن التهمة غير ثابتة ثبوتاً يقيناً ولديه من الأدلة ما يبين ذلك فالدفاع عنه حلال ..
أما إذا رأى المحامي بينه وبين ربه أن هذا الجاسوس خان بلده بالفعل، فالدفاع عنه حرام مثلها مثل الدفاع عن تاجر المخدرات، والمسألة ترجع في الأساس إلى صلة المحامي بالله، وهي صلة لا يمكن لأحد أن يحكم عليها وبالتالي الدفاع عن الجاسوس، ومهنة المحاماة كلها منوطة بهذه الصلة بين المحامي وربه ومن ثم لا يمكن أن أقول إن الدفاع في هذه الجريمة حلال أم حرام .
* ما تعليقك على التضارب أو الخلاف في الفتاوى التي يصدرها المفتي والتي يقرها شيخ الأزهر أو العكس وكذلك بين المفتي وأساتذة الجامعة الآخرين على فتوى معينة ؟ ـ الاختلاف في الفتوى هو الأساس لأن التوحيد في الفتوى فيه حجر على الفكر وهذا الاختلاف فيه سعة للناس ليأخذ كل ما يسر له، وهو ما كان موجوداً في عهد الرسول الكريم لكن اضمحلال الثقافة الإسلامية وقصور تصور الأمة الإسلامية جعل الجميع يتصور أنه تضارب،
وحتى علماء المذاهب الأربعة كانوا يختلفون لأنه لا يوجد عالم واحد يمكن أن يدعي أنه على صواب كل الصواب بل العالم الحقيقي هو من يدعي أنه على صواب يحتمل الخطأ، والبلبلة التي يمكن أن تحدث ستحدث بين الذين لا يعرفون طبيعة الإسلام المرنة والتي تسع الاختلاف في الشارع العربي وغير العربي، فمظلة الإسلام واسعة تسع جميع المختلفين في الفروع ما داموا متفقين في الأصول وليأخذ كل ما يناسبه.
اختلاف
*يؤكد العديد من المفكرين أن تعدد الآراء يؤدي إلى التفرقة والانقسام ويضر بمسيرة الفكر فهل هذا صحيح إسلامياً؟ ـ ما دام كل فكر له دليله ويقيمه صاحبه على أسس وبراهين عقلية فليس هناك ضرر على الإطلاق بل إن تعدد الآراء وتنوع البراهين يعطي للفكر الإسلامي مرونة في الحركة وسعة في الأفق،
أما الفكر الواحد والرؤية الواحدة فلا تنتج إلا الانغلاق وضيق الأفق، ولكي نخرج من حالة الجمود الفكري لابد من تعديل مناهج التعليم وإيجاد نظم تربوية قادرة على تنشئة جيل يفكر أكثر مما يحفظ ونظم تعليمية لا تعنى بصب قوالب وإنما تعنى بخلق ملكات وعقول مدربة على التفكير والتحليل والاستنتاج والاستدلال ولا تتوقف عن حفظ ما هو مدون بالكتب.
وفكرنا الاسلامي - بوجه خاص - يتميز بالتعددية واختلاف الأئمة المجتهدين والجميع تحكمهم أصول واحدة ومنطلقات أساسية تمثل مرجعية مصونة يرتبط بها الجميع وتحميهم من الشطط، ولحسن الحظ فإن المبادئ الإسلامية العامة بل والنصوص القرآنية نفسها بصفة عامة تبدو فيها الخطوط الحمراء بعيدة جداً وتتيح الفرصة للاجتهادات المتعددة داخل النمط الواحد.
*كيف نقتبس من الحضارة الغربية دون الإضرار بفكرنا الإسلامي وما هي مظاهر الفشل فيها في رأيكم؟ ـ التفاعل الحضاري وإن كان ضرورة من الضرورات بين الأمم والشعوب فيجب ألا يضر بالتراث الأصيل والبناء الأساسي لشخصية الأمة، أما إذا كان هذا التفاعل أو النقل يضر بالتراث
فإنه لا يكون تفاعلاً بين أمة وأخرى وإنما هو إذابة لكيانها وإذا كان الاقتباس من الآخرين يجعل الإسلام هو أساس التفكير وأساس المجتمع وحياته فلا بأس به لأن الإسلام يدعو إلى طلب العلوم الحديثة والأخذ بأسباب التقدم، أما نقل الحضارة الغربية بحذافيرها إلى الشرق سواء كان المنقول حسناً أو سيئاً فهو عملية فكرية واجتماعية خطيرة الأثر على نفسية الأمة لأنها تجعل الحضارة الغربية هى المثل الأعلى والمصدر الأول الذي يجب الوقوف عنده،
مما يوجد نوعاً من التبعية وضياع هوية الشعوب الإسلامية على المدى الطويل. وتتمثل مظاهر الفشل في هذه الحضارة في تجريد المجتمع من القيم وجعل الحياة جافة قلقة بائسة وانتشار الفوضى والانحلال وهذا كله ناتج عن فصل الدين عن الحياة،
فحتى حريتهم عندما جردت من الدين وحصرت في نطاق المادة تحولت في مجال الاقتصاد إلى صراع ومنافسة من أجل المادة وفشل الضعفاء في مواجهة هذا الصراع وتحولوا إلى قوى عاطلة، وانهار مبدأ المساواة وتحول إلى خرافة من خرافات الحضارة الغربية، وفشلت هذه الحضارة في إذابة الفوارق الطبقية في المجتمعات، وقد أكد المفكرون الغربيون أنفسهم أن مآل الحضارة الغربية إلى الفشل حتى إنها أدت بالعلم إلى الاقتصار في البحث عن المادة.
غربلة فقهية
* أعلنتم منذ فترة عن منهجكم الجديد في إقامة غربلة فقهية للمذاهب الفقهية القديمة فعلى ماذا قام هذا المنهج؟ ـ نحن في حاجة لمنهج جديد في الفقه يحكم تطورات حياتنا حتى لا تشتعل نار الفتوى كما نرى الآن على الساحة الإسلامية في مصر وغيرها من البلدان العربية، فالمنهج المعمول به لدى كثير من الفقهاء هو المنهج القديم
وكلما تعرضنا لمشكلة أو مسألة أو قضية جدت على حياتنا فإننا نسارع إلى التراث وكتب الفقه القديمة لنعرف الحل، ولو لم يجتهد العقل وفقاً لما يراه مناسباً فسوف تشتعل حرب الفتاوى والتي هى أخطر من أي حرب أخرى.
أما منهجي فيقوم على أربع ركائز أساسية هى القرآن والسنة ثم إنتاج الفقهاء القدامى كمصدر فرعي بعد الكتاب والسنة ثم مراعاة الواقع والتطورات المعيشية الراهنة، وفي منهجي هذا رجعت إلى إنتاج الفقهاء القدامى ولكن ليس بتقديس آرائهم فما كان يحدث من قضايا وأمور قديمة لا يمكن قياسه بقضايا الساعة، وأنا لا أدعو إلى إلغاء المذاهب القديمة كما يظن البعض وإنما أدعو إلى أن يعمل الإنسان عقله متدبراً في الكتاب والسنة،
فإذا ما جاءت مشكلة رجعنا إليها ثم إلى الأئمة الأربعة فإذا وجد الحل «فبها ونعم» وإذا لم نجده فعلينا أن نبحث عن حل مناسب بالاجتهاد والبحث والتنقيب حتى يتقبله الناس ولا نجعل كلام الفقهاء القدامى بمثابة التقديس أو منزلة القرآن والسنة وهو ما أدعو إليه ببساطة.
*كيف يمكن أن نربي أطفالنا تربية سليمة حتى يصبحوا أعمدة قوية لمجتمعاتنا الإسلامية؟
ـ الطريقة التي يتكون من خلالها الأبوان فكرياً وثقافياً هي طريقة في معظم الأحيان قاصرة على غرس المبادئ الدينية، والتربية الدينية لا تدرس في مجتمعاتنا بطريقة صحيحة ومؤثرة قادرة على التغيير النفسي والوجداني،
كما أنها لا تدرس في جامعاتنا إلى جانب ما تقدمه أجهزة الثقافة من مواد تبعد الناس كثيراً عن هويتهم وأصالتهم وقيمهم الراسخة، فإذا كانت وسائل بناء وتكوين العقل والوجدان ضعيفة بالنسبة للأبوين فمن أين لهما أن يثبتا تلك الاتجاهات النبيلة والرفيعة في نفوس النشء بحيث نشكل اتجاهاً عميقاً وأصيلاً في قلوبهم ومشاعرهم،
ومن هنا فإن الدعوة ملحة وماسة إلى إعادة النظر بشكل جذري في مناهج التعليم والمواد التي تقدمها وسائل الإعلام وأجهزة الثقافة في مجتمعاتنا الإسلامية، أما العامل الآخر فيتعلق بأجهزة الإعلام والمادة التي تقدم للأطفال
وكذلك الإعلانات التي تعرض في التلفزيون أو الصحافة والتي لها تأثيرها القوي في تكوين اتجاهات معينة لدى الطفل المسلم وتغيير اتجاهات موجودة بالفعل، وإلى جانب هذه العوامل هناك التغيرات التي تطرأ على المجتمعات الإسلامية بشكل عام مثل تضاؤل النظرة إلى القيم والمثل الخلقية الرفيعة والاتجاه والسباق لتحصيل المادة.

