لا أحسب أن مدينة في العالم تشهد انطلاقة هائلة نحو الإعمار والبناء والتشييد كتلك التي تشهدها دبي، فحيثما صافحت عيناك الأفق، وجدت رافعات تشمخ في سباق مع الزمن لإكمال مشروع عملاق، أو الانتهاء من صرح شامخ، كان حتى الأمس القريب حلما يداعب الخيال، فإذا به اليوم واقع يفرض حضوره بقوة وعنفوان.
هناك، حسبما تؤكد مصادر مطلعة، تسعة وثلاثون مسجدا، تندرج في صميم هذه الانطلاقة العمرانية الكبرى، تتولى المسؤولية عنها فعاليات تنتمي إلى القطاع الخاص، بالإضافة إلى ما تخطط لإنشائه الدوائر والمؤسسات الرسمية. على ربى دبي الحاليات، هناك مسجد صغير المساحة، عظيم القيمة المعمارية، تمنيت لو أن مساجد دبي الجميلة التي ستشق طريقها إلى الأفق في وقت غير بعيد، استلهمت جانبا من روائع إنشائه ولمحات جمالياته.
هذا المسجد يحظى باهتمام الدوائر المعمارية العالمية، بل يكاد يكون هو المسجد الوحيد في دبي الذي يعود إليه معماريون عالميون، ليدرسوه ويتأملوه، وربما لانتقاد بعض الهنات في تصميمه أو تنفيذه، ولكن هناك دائما ذلك الاهتمام، الذي يرقى ليس إلى الإعجاب الشديد فحسب، وإنما إلى حد الافتنان بجمالياته، في كثير من الأحيان.
الحديث هنا يدور حول مسجد محمد بن مدية، الذي حل محل مسجد قديم كان من الموقع نفسه في منطقة السبخة، قاب قوسين أو أدنى في ميدان بنى ياس، وقد قام بإنشائه رجل الأعمال ماجد محمد الفطيم، وافتتح في يوم الثلاثاء غرة شهر رمضان سنة 1410 هجرية الموافق السابع والعشرين من مارس عام 1990.
على الرغم من أن ما يزيد على عقد ونصف العقد يفصلنا عن افتتاح هذا المسجد، إلا إنه لا يزال اليوم يستقطب اهتمامنا، ويلفت أنظارنا، ويدعونا إلى أن نعود له، بالاهتمام والإعجاب، مراراً وتكراراً. لكن ما السر حقاً في هذا الاهتمام والإعجاب؟ كيف يفلح مسجد صغير المساحة لا تزيد طاقته الاستيعابية على خمسمئة مصلٍ في انتزاع اهتمامنا من مساجد تتسع للألوف وتملأ الرحب والبصر والبصيرة؟
الأسباب كثيرة، وسنعود إليها تفصيلاً، ولكن دعنا نلتفت إلى الجهد الكبير الذي قام به مصور «البيان» الزميل عماد علاء الدين، وهو يدور حول مسجد بن مدية، محاولاً الوصول إلى أفضل الزوايا لتصويره، من دون أن يتردد في طرق أبواب أصحاب البيوت والدور والمكاتب المطلة عليه، ليتيحوا له التقاط صور له من أكثر الزوايا إبرازاً لجماليات المسجد.
هذا الجهد المميز دالة في صعوبة الموقع الذي يشغله المسجد، وهو موقع مستطيل في منطقة تجارية لا تهدأ فيها الحركة، ولا تنقطع حركة السير عن الشوارع المتماسة معه، الأمر الذي يعني أن هناك مشكلة حقيقية أمام مصمم المسجد في إيجاد سبل الفصل الصارم بين الخارج الدنيوي والداخل القدسي، بكل ما بينهما من مفارقة واختلاف.
إنها المشكلة نفسها التي واجهت نبيل طبارة، مصمم مسجد شفيق عماش في بيروت، في أوائل الثمانينات، ولكنني أحسب أن المهندس المعماري اليوناني الكسندر تومبازيس كان أكثر توفيقاً في حل هذه المشكلة، على الرغم من أن مسجد محمد بن مدية كان أول مسجد يقوم بتصميمه.
لقد سبق لي أن ذهبت، في غير هذا المقام، إلى القول إن مسجد شريف الأبيض في البوسنة ومسجد شفيق عماش في بيروت ومسجد محمد بن مدية تعد في مقدمة المساجد ذات المساحة المحدودة التي تقدم عبر لغة معمارية حداثية بالغة الرقي مجموعة الحلول الأكثر توفيقاً لمساجد الأحياء المندرجة في صميم تعقيدات النسيج الحضري الحديث.
وبقي أن نعرف على الصعيد الإنشائي والجمالي لماذا حلق مسجد محمد بن مدية إلى هذه الذروة العالية، ولماذا تواصل دوائر العمارة العالية الاهتمام به، وما السر في أن الكثيرين يتمنون أن تتردد أصداء هذا المسجد في العديد من المساجد التسعة والثلاثين التي تعتزم دبي أن تنير بها رباها الحاليات في المستقبل القريب.
كامل يوسف


