ننتقل إلى دور محمد عبده في تفسير للقرآن من خلال النزعة العقلية لكي يرقى بالعقلية الإسلامية ويحررها من خرافات الماضي، وحكايات المشايخ الذين يعلمون الماضي والمستقبل، ويطيرون في الهواء ويمشون على الماء، ويفتحون الأبواب بلا مفتاح، ويبولون على الحجر فيصير ذهباً!!
كانت مهمته ان يحافظ على جوهر التوحيد، فالإسلام دين توحيد لا شرك فيه، وتنزيه لا تجسيم فيه ومن ثم نزع الشيخ محمد عبده، منزعا عقليا وهو يفسر آياته وتجلى ذلك في سورة الفيل ومحاولته تقريب المعجزة للعقل الإنساني.
وفي حديثه عن الكرامات المزعومة نفاها ورفضها وذكر أن النفي لا يقلل من إيمان المؤمن، وكذلك تفسيره لسورة الكوثر، إذ تجوز معظم تفسيرات السابقين حينما قرر أن الكوثر، يعني الرسالة الهادية التي أعطاها الله لرسوله، ليخرج الناس من ظلام الجهل والشرك إلى نور الإيمان والإخلاص ومن عبودية البشر إلى عبودية الله، فليست القضية محصورة في أن الله وهب رسوله نهراً في الجنة،.
وإنما الأمر أعم من ذلك وأشمل، إذ أن الرسالة خير وبركة، ورحمة ونعمة للبشرية جمعاء وفي رسالة التوحيد كان هم محمد عبده إعادة صياغة ذهنية الأمة المغيبة وإرادتها المسلوبة من خلال تحريرها من فكرة وهم الجبر الذي سيطر عليها، وأهان شخصيتها، ودمر عزيمتها. فآمنت إيمانا أكيداً بأنها مقيدة الأيدي، مكبلة بالأغلال، كل شيء كتب عليها سلفا.
وكل ما يقع لها في حياتها اليومية مكتوب على الجبين، وأن المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين حتى الاستعمار الذي جثم على صدر الأمة، أصبح قدراً لا فكاك منه ولا مهرب، لعل هذا الميدان كان أوسع الميادين التي ارتفع فيها صوت محمد عبده، وهتف بمقولته المشهورة، لإعادة مفهوم الحرية الإنسانية للإنسان، وتبيان أن القضاء والقدر لا ينفي حريته ولا يتدخل في عمله .
ولا يعفيه من مسؤوليته، لأن الأمر يتعلق بالعلم الإلهي السابق، وهو صفة كمال لله وصفة لقيوميته ولعلمه الشامل، الذي يعلم الكليات والجزئيات والغائبات والحاضرات، لكن هذا لا يمنع الإنسان من أن يشق طريقه في الحياة، وأن يختار السبيل الذي يروقه وأن يفكر ويتدبر ويقدر ثم ـ بإرادته الحرة ـ يقرر مصيره، ويبني مستقبله وينهض بمجتمعه، ويبني تاريخه ويشيد حضارته.
يقول الشيخ محمد عبده «إن الغرض الذي يرمي إليه جميعهم »«المصلون» إنما هو تصحيح الاعتقاد، وإزالة ما طرأ عليه من الخطأ في فهم نصوص الدين، حتى إذا سلمت العقائد من البدع، تبعها سلامة الأعمال من الخلل والاضطراب، واستقامة أحوال الأفراد واستضاءت بصائرهم بالعلوم الحقيقية، دينية ودنيوية، وتهذبت أخلاقهم بالملكات السليمة وسرى الصلاح منهم إلى الأمة.
كانت كلمات الشيخ محمد عبده، صادعة ومؤثرة وهادية، إذ وجدت آذانا صاغية وقلوبا واعية ونفوسا طائعة، ونفذت هذه الكلمات إلى العقول، فغدت مضمون تفكيرها، وارتقت بسلوكها واقنعتها أن الإنسان ليس ريشة في مهب الريح.
ولا يجب عليه ان يخاف من صوت الريح ويهاب من سقوط الأمطار، ويرتعش من صوت الرعد والبرق، اقتنع الإنسان المسلم ان يعيش داخل كون محكوم من قبل قوانين طبيعية خلقها الله، وأن يملك، عقلا مفكراً يلم بأنحاء الموجودات الذي هو وكيل الله عنده، وأن له نطاقا واسعا من الحرية لكي يحقق إنسانيته».