شركات الاتصالات التي تقدم الخدمات الترفيهية صارت أكثر من الهم على القلب، وهي تلعب على أوتار الأحلام التي صارت في زماننا مستحيلة والإحباط القاتل الذي يسم حياة المراهقين وحتى الراشدين، وفي النهاية على الأب أو المعيل أن يدفع ثمن هذه الخدمات من عرقه وربما من دمه.

والهاتف الجوال «الموبايل» أو «السيلولير» حسب منطوق الأكابر لم يعد هاتفاً للاتصال والحديث الضروري أو غير الضروري، فقد صار يصور صوراً ثابتة ومتحركة وصار يغني ويلحن ويسجل الأصوات كما أنه صار يحتل محل البريد التقليدي وحتى الإيميل عبر الإنترنت للرسائل القصيرة والمتوسطة والطويلة.

وقد قرأت في إحدى الصحف أن الشباب صاروا ينظرون إلى الإيميل على أنه بريد أو مرسال مقيد يحتاج من الشخص أن يجلس إلى الكمبيوتر ويفتح موقعه وبالطبع لا وقت لكل ذلك -من كثرة الأشغال والأعمال!!- في حين أن المرء يمكن أن يرسل رسالة عبر الموبايل وهو جالس يأكل أو يتفرج على التلفزيون أو وهو في سيارته أو في الحمام.

كما أن الموبايل يحتوي على الألعاب ويمكن لأي طفل أو شاب أن ينزل على هاتفه كل يوم لعبة جديدة ـ بسعرها طبعاً ـ وهو وسيلة للاشتراك في المسابقات والسحوبات «أرسل SMS إلى رقم كذا واحصل على سيارة أو عقد من الألماس أو مبلغ نقدي يعادل أضعاف الراتب المتوسط لعامة الناس».

وهناك برامج تنزل على الهاتف للتسلية وملء الفراغ وقتل الوقت!! فهذا برنامج لتغيير ملامح الوجه بحيث تستطيع تشويه صورة أي وجه لصديق تصوره، وبرنامج لتنزيل حروف أو أسماء العاشقين على قلوب حمراء تنبض بالحب، وبرنامج لتركيب وجوه من تعرف على أجساد مختلفة مستورة أو عارية، وكله بثمنه وما عليك إلا أن تدفع.

وإذا كنت محباً لمطرب أو مطربة فيمكن أن تنزل على هاتفك أغانيها المصورة وسعر الأغنية الإلكترونية يعادل سعر شريط كامل ولكن رؤية «الفيديو كليب» في هذا الزمان غير شكل والصورة أهم ألف مرة من الصوت والموسيقى وخلافه.

وتستطيع إن أحببت أن تنزل القرآن الكريم كاملاً على هاتفك حتى تستغل كل دقيقة من وقتك في العبادة! حيث تمثل جلسة التلاوة الخاشعة للقرآن من المصحف صورة تقليدية للتلاوة وزماننا زمن السرعة في كل شيء حتى في العبادة وتلاوة القرآن.

وبعضهم ينزل تلاوات لآيات كريمة من القرآن الكريم لتكون مشعرة بوجود اتصال أو بوصول رسالة، فإذا تناول الهاتف ليرد أو ليقرأ رسالته أخرس صوت التلاوة بصورة تنم عن كثير من قلة الأدب والاستخفاف بكلام الله، وبعضهم ينزل أذكار اليوم والليلة ولا أعرف كيف يعيش المرء حلاوة الذكر والدعاء.

وهو يقرأ من على شاشة الموبايل، وبعضهم ينزل على الموبايل برنامج الأذان حتى لا تفوته الصلاة في أول وقتها وربما جماعة، وكلنا يعلم أن الحريص على صلاة كهذه يعرف مواعيد الأذان وأوقات إقامة الصلاة في المسجد بدون حاجة لكل هذه التكنولوجيا المكلفة وادفع إن كنت شاطراً.

والدردشة «الشات» عبر الموبايل مع المعلوم والمجهول متاحة في أي وقت تدخل باسمك الحقيقي أو باسم مزور وتحاور من تريد ومن لا تريد، وإذا أردت «جرصة» أكبر فيمكنك أن تنقل هذه الدردشة إلى شاشات التلفزيون وعلى الشرائط المتحركة من نوع «ابن الديرة يسلم على كل الصبايا»..... «الأمورة سلام لابن الديرة الآن مالي فاضية».... «الصقر يقول للغزال كفاك قسوة».... «الغزال خرجك الله لا يقيمك».... كل هذه «الفرفشة» و«النعنشة» متاحة للجميع وهي تمتص دماء دافعي الفواتير كما أن الوقت متاح لكل هذا الهراء وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.

وأحب هنا أن أشير إلى نقطتين: الأولى أن البطالة والعطالة والإحباط والاكتئاب والهم والغم بسبب عدم وجود فرص عمل حقيقية برواتب معقولة تحقق حتى الأحلام المتواضعة هي سبب مباشر لكل هذا العبث، فما دامت القروش القليلة في الجيب لا قيمة لها ولا يمكن أن تزوج أو تؤمن مسكناً فلماذا لا تنفق على اجترار المتع الرخيصة والخالية من أي فائدة ثم أن السحوبات على الـ سحس يمكن أن تفلح في تحقيق ما لم يفلح المجتمع بمؤسساته ومخططيه في تحقيقه.

ثم أن الفضائيات خرجت عن كل ما يتصل بالحياء فراحت تعلن عن نوادي الأصدقاء للاتصال فيما بينهم، والأصدقاء هم في هذه الحالة حسناوات فاتنات يمسكن سماعة الهاتف بكل غنج ودلال مما يطمع المراهقين وكثيرين من الراشدين بالاتصال عبر أرقام لبلاد وراء البحار لإجراء أحاديث لا يمكن أن تكون بريئة وقد سمعنا عن معيلين دفعوا فواتير فلكية نتيجة استخدام أولادهم حتى للهواتف الثابتة والاتصال بهذه الأرقام الحمراء.

ومن لطيف ما لا يعرفه هؤلاء أن المحاورة البارعة في إطالة المكالمة قدر الإمكان بدلالها وغيره على الطرف الآخر من الاتصال قد تكون أماً ترضع ابنها في بيتها أو إمرأة ليس لها علاقة بالجمال وهي تطهو في المطبخ أو إمرأة بدينة جالسة إلى التلفزيون لا يتيح لها وزنها الثقيل بوزن الفيل أن تتحرك في عمل آخر على ذمة TV الفرنساوية، ألسنا أمام شر بلية تضحك وتبكي.