نستهل الحديث عن حق الحرية في الإسلام بمقولة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي لاتزال تتردد في سمع الزمان «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً» نعم يا من كان القرآن يتنزل موافقا لك، لو أنك رفعت رأسك ورأيت ما نحن فيه اليوم من انكسار وذلة وهوان، وممن؟ من الذين صفيت آخر جيوبهم في الحجاز.
يهود خيبر، ان يهود اليوم يا أيها الفاروق اغتصبوا فلسطين كلها وبعض أجزاء من الأراضي العربية المجاورة لها، ولم يكتفوا بذلك، بل إنهم يطمحون في قيام إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، ومن أجل هذه الغاية وهذا الحلم الذي تساندهم فيه القوى العدوانية من الطائفة الكفارة المعادية للإسلام من الصليبية، لو أنك رفعت رأسك ورأيت هذه الحال التي لا تسر صديقاً ولا عدواً ستسأل:
أين سيوفكم؟ أين سواعدكم تلك التي نصرت الإسلام في فجره وفي مسيرته الخيرة في قرون الخير؟ وجوابنا لك ان السيوف صدأت في أغمادها، وان السواعد أصابها الشلل بأسباب عديدة.
وربما تدرك بشفافيتك التي عهدت فيك وبفطنتك التي أكسبتك شرف الموافقات القرآنية إننا لم نعد نمتلك الحرية التي ليست هي حقاً فحسب وإنما هي أصل كل الحقوق إذ لا يمكن ان يكون للحقوق الأخرى فعالية أو معنى في غياب الحرية بشكل كامل، بل ان الحقوق في تغييب الحرية تكون سلباً من دون أي شك وبهذا المعنى ـ كما تقول الأستاذة حورية الخطيب ـ «تصبح الحرية حقاً، والحق حرية».
ان الحرية في الإسلام حق للإنسان ولكن في نطاق السلوك السوي والأخلاق القويمة التي تجعل لهذه الحرية حدوداً تنتهي عندها، فلا يمكن ان أتعدى على حق الآخر في الحياة أو في الكسب أو التملك وقول أنا حر في تصرفي هذا.. لا، وحتى في بدني وفي أهلي حريتي لها ضوابط ومعايير.
فلا يمكن ان أسرف في الأكل والشرب إلى الحد الذي يضر بصحتي وأقول أنا حر آكل وأشرب بالكيفية التي أريدها.. كلا، أو أسرف في تجويع نفسي إضراباً عن الطعام إلى الدرجة التي أشرف فيها على الهلاك أو حتى في العبادة، المسلم مفروض عليه خمس صلوات في اليوم والليلة وهو حر في ان يزيد في ذلك ما يمكن ان يستطيعه من النوافل.
ولكنه ليس حراً في ان يقيم الليل بأكمله لا ينام ففي ذلك هلاك وإضرار فعليه أن يقوم جزءاً من الليل وينام ليعطي جسمه حقه من الراحة، فإنهاك جسمه بقيام الليل كله إضافة إلى ما يترتب على ذلك من المضار الصحية فهو يكون حائلا دونه ودون القيام بواجباته المتطلبة منه نهاراً، والقاعدة الإسلامية «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» سورة البقرة ـ الآية 286.
ونقرأ في قرآننا العظيم في آخر سورة المزمل والتي هي من أوائل سور التنزيل الخاصة بنبي الدعوة وتكليفه بإبلاغها للناس عليه الصلاة والسلام، نجد الأمر الإلهي لرسوله الكريم بأن وقت التنزيل والنوم انقضى وبدأ الاستعداد لتلقي الأمر الذي سيلقى عليه وهو ليس بالسهل الهين وإنما هو ثقيل ينبغي ان يتهيأ له صاحب الرسالة بقيام الليل، ليس كله ولكن نصفه، أو انقص منه أو زد، وهذا بداية ولمن؟
للمختار المجتبي للتبليغ، ولابد في الخطوات المقبلة ان تكون معه طائفة من المؤمنين تهييء نفوسهم مثله كدعاة لنشر الدعوة ولكن لهم ظروفهم فمنهم المريض ومنهم من يسعى في الرزق ومنهم من يجاهد في سبيل الله، ولكل هذه الأسباب يأتي التخفيف والتيسير. ونعود لنجد هذا المعنى في خواتيم سورة المزمل.
قال تعالى «إن ريك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم ان لن تحصوه فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسر من القرآن، علم ان سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرأوا ما تيسر منه.. » الآية 20 خواتيم سورة المزمل.
إذن فالوسطية ميزان الحرية والتصرف والسلوك من وجهة نظر الإسلام، لا إفراط ولا تفريط حتى وان كان الأمر متعلقا بالعبادات، والدين يسر، فعجب لمن يضيقون على الناس بالتعنت والجمود.
والأصل في الأشياء الإباحة فيما لم يرد فيه نص بالتحريم وهذه القاعدة ـ تقول الأستاذة حورية يونس الخطيب في كتابها «الإسلام ومفهوم الحرية» في غاية الأهمية عند التطرق إلى علاقة الحرية بالواقعية والواقع في المفهوم الإسلامي، والتحريم الذي يتشرد فيه البعض دون أي سند أو دليل من نص، قيد يقيد به هؤلاء المتشددون الآخرين ويضيقون عليهم فسحة منحها لهم دين اليسر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» رواه البخاري ومسلم. وقال: «ان الله تعالى لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، وإنما بعثني ميسراً رواه مسلم، وقال عليه الصلاة والسلام لمن أخبر أن أمه نذرت ان تحج ماشية «مرها فلتركب، ان الله لغني عن مشيها» رواه الإمام أحمد في مسنده.
ولقد رخص الله لنا سبحانه «وان الله يحب ان تؤتى رخصه» كما يقول الصادق المصدوق. فاذا كان لنا ان نقصر الصلاة في السفر برخصة من الله، فلماذا لا نؤتي هذه الرخصة حقها؟
وكذلك ان نفطر في رمضان ان كنا على سفر أو ألم بنا مرض يشق علينا معه الصيام أو يتطلب منا ان نتناول الدواء لمعالجته في ساعات النهار، وكذلك رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور وهو الرؤوف الرحيم بنا وهو الذي لا ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى فلماذا نتنزه عما رخص لنا فيه رسولنا.
يروى انه صلى الله عليه وسلم غضب حتى بان الغضب عليه حين ترخص في أمر وتنزه عنه قوم وقد بلغه ذلك فقال عليه الصلاة والسلام «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية» رواه الشيخان عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
والعجيب ان الأقوام الذين يدعون أنهم أهل الحريات في بلادهم والديمقراطيات، يستعبدون الآخرين خارج حدودهم ويعدون عليهم خطواتهم بل ويحصون عليهم أنفاسهم، فلست حراً ان أقاوم من يعتدي على أرضي وان فعلت ذلك فأنا إرهابي في نظرهم، والأمن وحق الدفاع ممنوح للمعتدي الغاصب الذي يقتل الأطفال وهم نائمون.