إن الفتن تتغلغل ويستشري داؤها في بعض النفوس البشرية سواء أكانوا على ديانة سماوية أم ديانة أرضية لا فرق بين ذلك، فالشيطان يوسوس للجميع لا يميز بين جنس وآخر وبين لون ابيض أو اسود أو أحمر ولقد اغترت بعض المجتمعات الحديثة خصوصا المادية ومن نحا نحوها وسار على طريقها فتباهوا بما أوتوا من النعم المختلفة فخيل لهؤلاء أصحاب الحضارة الراقية أن هذه النعم دائمة وبقاؤها خالد.
وقد اختلط بعض الناس بهم من الدول الكثيرة الإسلامية وغيرها واغترفوا من علمهم فأخذوا كل المبادئ والسبل التي افرزها العقل التقني خيرها وشرها فتراهم في بعض الأحيان لا يصمدون أمام تيارات الفتن الجامحة ومشكلاتها الكثيرة فاضحى بعض الناس صرعى بين الخوف الشديد من الحياة والنعم (الصحة الرخاء المال..) من الزوال، فالقلق ينتاب اغلبهم .
وكذلك الجنون يصيب بعضهم والأمراض المستعصية تحوط بهم من كل حدب وصوب حتى أصبح العلم الحديث عاجزا عن مقاومة تلك الأمراض .
وهي في تجدد مستمر فكلما اكتشف العلماء مصلا لمرض معين ظهر مرض آخر، فحير العلماء وهكذا أصبح الطب الحديث غير قادر على اكتشاف الأمصال والأدوية التي تقي الناس من الأمراض، المعنوية أو الحسية وكل ذلك بطبيعة الحال راجع الى عدم الاهتداء بالتشريع الرباني الذي رسم للإنسان لكي يواصل مشوار حياته الدنيوية ورسم له طريق النجاة والخلاص من الفتن ومقاومة الشر في كل مجالات الحياة سواء أكانت الخاصة التي تتعلق بالإنسان نفسه أم العامة التي تتعلق بمصالح المجتمع والآخرين من أبناء جنسه.
إن عقلاء البشر من الماديين يقرون بخطورة الوضع الذي تمر به الحضارة الحديثة فهم في حالة ضنك مستمر تمثل فيما ذكرناه آنفا من الأمراض المتعددة والمشكلات بمختلف أنواعها التي يمرون بها يوميا فهي لا ريب أنها تحاصرهم، فالأخلاق تعتبر من أسس الحياة التي ينبغي على العقلاء الاقتداء بها ومراعاة جوانبها المختلفة يقول (هنري أرفون) في كتابه (فلسفة العمل): لقد أصاب النقاد في إبراز تخبط الإنسان الحديث الذي تُرك في عالم بدون مفتاح وبإزاء حرية بدون مضمون.
وعندما تحرر من خضوعه للطبيعة لم يعرف أي معنى يضيفه على انتصاره، فقد ضاق العبد عندما أصبح سيدا بحريته الجديدة. والواقع أن التقدم المادي لا يقود الى أي مكان إلا إذا كان مرتبطا بتقدم أخلاقي، يحض الإنسان على استخدام قدرته المتزايدة في سبيل انفتاحه الخاص فالاخلاق أمر مهم في استقامة الأمم من الانهيار ومعنى كلامه الطبيعة أي الهدي الذي يرشد الى الخير ويحذر من الشر ولا يكون ذلك إلا من خلال التوجيه الرباني فقائل هذا القول ليس من المسلمين.
إن تفشي الجهل المركب والبسيط بين الناس يورث اليأس وعدم الرغبة الأكيدة في محاصرة الفتن والتصدي لها فالجهل بتعاليم الدين القويم من أشدّ الأخطار على الناس لأنه يهلك الأمم ويبيد المجتمعات المعرضة عن التعاليم السماوية.
فقد يكون هذا الشر قد تمثل في ذات الإنسان نفسه كالأمراض المعنوية الكثيرة مثل الحسد والغيبة والنميمة والكذب والخيانة والغرور وغيرها من أنواع الشرور.
ومنها ما يكون في المجتمع وهي الحسية كالاستيلاء على أموال الآخرين بغير حق وانتهاك حرماتهم والاستحواذ على بعض أموال الدولة وخيانة الوظيفة التي يقوم بها بعض الأفراد أي الفساد الإداري وكذلك تقديم المصلحة الخاصة في بعض المشاريع والخدمات على المصلحة العامة لأفراد المجتمع والدولة وهكذا فكل هذه الفتن والشرور لا بد لها من حاجر يقف حائلا بينها وبين الإنسان يوقف تقدمها وانتشارها.