«تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار» «ومن يعص الله ورسوله، ويتعد حدوده، يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين».
روعي في التشريع الإسلامي أن يكون على أصول مستقيمة، وأن يكون نظاماً مكفولاً من التلاعب به، ليظل متجهاً بالناس إلى الأهداف المرموقة فيه.
لذلك كان من مشتملاته بالنسبة لباقي التشريع أشبه بما نسميه في عصرنا «وسائل صيانة» وذلك هو جانب العقوبات، أو الحدود والناظرون معنا في تلك العقوبات يرونها علاجاً حتمياً للأنفس الشاردة، ويرونها وقاية لازمة للحفاظ على حياة الناس، وعقولهم، وأعراضهم، ودينهم، وأموالهم، وسوى هذه الأمور من مقومات الحياة الخاصة والعامة، وكل ما يعتبر سياجاً للنظام، ويرتبط به الأمن والاستقرار بين الناس.
وما كان مظنوناً أن يتجرد التشريع من هذا الجانب التأديبي، وأن يترك الإنسان في سبب من الهمجية.. فإن الإنسان مطواع لشهواته وشيطانه، ولما يحيط به من عوامل السوء.. وإذا ترك وشأنه فلن يلتزم ديناً يمنعه من العدوان والفوضى، بل سينقلب من دينه في غير اكتراث، وينطق بما يتحكم فيه من مغريات، وينقض بإفساده وعبثه ذلك البناء الوطيد.
ونحن نقرأ في القرآن كلمة الحدود، ونقرؤها في كلام الرسول ـ صلوات الله عليه ـ ونرى فقهاءنا يعقدون في مؤلفاتهم أبواباً يسمونها: باب الحدود ـ باب التعزيرات.
فهل كلمة الحد في هذا الذي نقرؤه معنى واحد؟ أو هي ذات معان تشترك فيها؟.
يقول الله تعالى في آية 13-14 من سورة النساء «تلك حدود الله، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين». ولفظ الحد هنا مذكور بعد أحكام عدة في شأن اليتامى، والقيام عليهم، وما ينبغي وما لا ينبغي أن يعاملوا به، وفى شأن التزوج باليتيمات وما يتصل به، وفى شأن المواريث، وتقسيمها على الوجه المبين بعد تنفيذ الوصية، وسداد الدين المستحق، فسياق الكلام يكشف لنا في غير تكلف أن الحدود: هي الأحكام الشرعية ما بين حلالها وحرامها.
ويؤيد هذا في وضوح أكثر الآيتين وعداً كريماً لمن يطيع الله ورسوله في الأحكام ووعيداً شديداً لمن يخالف.
فالأول: «ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم».
الثاني: «ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين».
والوعد الكريم والوعيد الشديد في هذا السياق يتعلقان بعموم الأحكام المذكورة وما يشبهها.
وبهذا لا تكون الحدود خاصة بالعقوبات، وإنما هي عامة في الأحكام، وكأن الأحكام بعمومها سميت حدوداً لأنها رسمت لنا طريقاً نسلكها في شأننا كله، فلا تتخطاها إلى ما يجاورها، ولا تترك عملاً طلب منها أداؤه، ولا نفعل أمراً نهينا عنه، ولا نفتات على الله بتحليل شيء، أو تحريمه من تلقاء أنفسنا.
ففي سورة البقرة آية 187: «تلك حدود الله فلا تقربوها» ولفظ الحدود هنا كذلك مذكور بعد أحكام تتعلق بمشروعية الصوم، ووقته، والإفطار فيه لعذر، وقضاء ما فات منه، وتتعلق بالاتصال الزوجي وآثاره في الصوم الخ.. فيكون لفظ الحدود كذلك عاماً في سائر الأحكام المذكورة وما يشبهها.
ولكنا نجد النهى هنا عن قربان الحدود لا عن تعديها كما سبق في النساء، والنهى عن القربان لا يستقيم في جانب الحلال.. كيف لا نقربه؟
فالسياق، وذكر القربان يدلان على أن الحدود هنا خصوصي المحرمات، ويكون النهى معقولاً، ومقبولاً.. فكأن الله يقول: ولا تقربوا المحرمات.
ثم ما معنى النهى عن قربانها؟
إن للمحرمات وسائل تؤدى إليها وتوقع فيها ومن المقرر شرعاً أن الوسائل تأخذ حكم نتائجها فإذا كانت الوسيلة تؤدى شأناً إلى محرم فهي محرمة كالذي يترتب عليها.
وحينما يكون النهى متعلقاً بقربان المحرم يكون أبلغ في تحريم النتائج عن هذه الوسائل ويكون تحريماً بطريق الأولى، كما هو منهج الإسلام في تشريعه.
فإذا دخلت البيت من غير إذن صاحبه شرعاً، والجلوس مع شارب الخمر أو مع المتآمرين على فساد الوطن، وكالخلوة بالأجنبية ونحو هذا مما يحتمل التعرض لعمل محرم.
وقد كثر في القرآن وفى السنة النهى عن المقدمات، وهو النهى عن القربان من المحرم ومن أمثلته «ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن» «ولا تقربوا الزنا» «ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن».
ومنها قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ «دع ما يريبك إلى مالا يريبك، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه».
يقول الله تعالى: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما».
فالقطع عقوبة على السرقة، وقد سماه النبي حداً، فيكون هذا نصاً في أن الحد هو العقوبة، وهذا هو المعنى الثالث لما يراد من كلمة الحد.