قد يكون هناك استعداد وراثي للمواهب، فمثلا قد كان زُهَيْر بن أبي سُلْمَى شاعرا وهو أحد ثلاثة تنازعوا فيما بينهم إمارة الشعراء في الجاهلية هو وامرؤ القيس والنابغة الذُّبْياني وكانت سُلْمَى أخت زهير شاعرة . وكان ولدَا زهير وهما كَعْب وبُجَيْر شاعريْن، وكان عقبة بن كعب بن زهير شاعرا، كما كان العوّام بن عُقبة بن كعب بن زهير شاعرا .

ولكن ذلك لا يمنع أن ينجب الشاعر أبناء غير شعراء وسنسهر في أمسية الليلة مع النوعين جميعا .

ابن معن، وابن مروان

كان مروان بن أبي حفصة شاعرا فحلا وكان يمدح القائد المعروف معن بن زائدة الشيباني، ويُحْسِن في مديحه، وكان مَعْن ـ وهو من أجاويد العرب ـ يغدق عليه كثيرا

وبعد أن توفي معن بن زائدة، وكذلك مروان بن أبي حفصة، توجه ابنٌ لمروان بن أبي حفصة على شُراحيل بن معن بن زائدة فأنشده :

أيا شراحيلُ مِن معنِ بن زائدةٍ

يا أكرمَ الناسِ من عَجَمٍ ومِن عَرَبِ

أعْطَى أبوك أبي مالاً فعاشَ بهِ

فأعْطِني مثلَ ما أعطَى أبوك أبي

ما حَلَّ قَطُّ أبي أرضاً أبوك بها

إلاّ وأعطاه قِنطاراً من الذهبِ

فقال له شراحيل : وإني والله لسوف أعطيك مثل ما كان يعطي أبي لأبيك . وأمر له بقنطار من الذهب !

وواضح أن شعر ابن مروان كان جيدا، حسن السبك، جيد المعنى .

ومن ذلك ما رواه صاحب (المنتقى من أخبار الأصمعي) أن بعض الشعراء تجمعوا وأرادوا العبث بأحد الشعراء منهم حُمَيْد بن ثور، والعجير السلولي، ومُزاحم العقيلي فعزموا على أن يقصدوا الشاعر يزيد بن الطَّثَرِيَّة (2) ليسخروا منه، فتوجهوا إليه في بيته فلم يجدوه وفتحت لهم ابنته وكانت طفلة فلما سألتهم من هم أخبروها وقالوا إنهم جاؤوا ليسخروا من أبيها، فأطرقت ثم قالت لهم :

تجَمَّعْتُمُ مِن كلِّ أُفْقٍ وجانبٍ

على واحدٍ ؟ لا زلتمُ قِرْنَ واحدِ

فأفحمتهم وارتدوا على أعقابهم متعجبين !

الوجه الآخر

وفي الوجه المقابل فقد كان الشاعر أبو تمام ـ وهو شاعر فحل ـ كثيرا ما يمدح الأمير عبد الله بن طاهر، وكان ابن طاهر يغدق عليه . فلما مات أبو تمّام وفد ولده تمّام على

عبد الله بن طاهر فأنشده :

حياك ربُّ الناس حياكا

إذ بجمال الوجه روّاكا

بغدادُ من نورِك قد أشرقَتْ

وأوْرَقَ العود بجَدْواكا

وواضح أنه شعر ركيك هزيل، ومعانٍ ضحلة، فرد عليه ابن طاهر قائلا :

حيَّاك ربُّ الناس حياكا

إنّ الذي أمَّلْتَ أخْطاكا

أتيتَ شخْصا قد خَلا كِيسُهُ

ولو حوى شيئا لأعطاكا

فقال تمام : أيها الأمير، إن الشعر بالشعر ربا، فاجعل بينهما فضلا، فضحك ابن طاهر وقال له : والله لئن فاتك شعر أبيك فلم يفتك ظَرْفُه . وأمر له بصلة .

وإلى أمسية الغد إن شاء الله تعالى .