في ذكريات حسين شوقي (ابن الشاعر أحمد شوقي) كلام عن تمثال نصفي صنعه المثال اللبناني «الحويك» حين كان شوقي في باريس، قال «وقد صنعت لأبي تماثيل أخرى، ولكن تمثال الحويك الذي أشرت إليه هو في اعتقادي خيرها جميعا وهو محفوظ لدينا».

ولم تثر انتباه حسين شوقي صور والده المهداة وأشعاره مع تلك الصور، غير أن في الديوان أكثر من نص. وشاعت لشوقي صورة، وانتشرت في المؤلفات والكتب المدرسية، وبقيت في محفوظات الصحف والمجلات «الأرشيف» تمثل شوقيا وقد أسند رأسه إلى كفه مجموعة الأصابع، مستغرقا في التأمل. وأعتقد أن هذه الصورة الشائعة لشوقي تنم عن حالة في حياته.

وفي سبحات فكره ووجدانه لصياغة شعره. وقد وصف شوقيا أستاذه أحمد زكي حين دخل مدرسة الحقوق فقال «نحيف هزيل ضئيل قصير القامة وسيم الطلعة تقريبا فتى بعيون متألقة تحقيقا.

ولكنها متنقلة كثيراً فإذا نظر إلى الأرض دقيقة واحدة» فللسماء منه دقائق متمادية، وإذا تلفت صوب اليمين فما ذاك الا لكي يرمي ببصره نحو الشمال، وهو مع هذه الحركات المتنافرة هادئ ساكن وادع، كأنما يتحدث بنفسه إلى نفسه، أو يتلاغى مع عالم من الأرواح.. وهذا الكلام هو تصوير بالكلام لهذه الشخصية المرموقة.

في إقامة أحمد شوقي مع أسرته في فندق «واشنطن إيرفنج» عند قصر الحمراء في غرناطة تعرفوا إلى ضابط إسباني معه أسرته أيضا قال حسين شوقي:

ولما كان الضابط شديد السمرة قال له أبي إن لونه عربي فأجاب فخورا إنه من أصل عربي حقاً، وانه بوثائق من شجرة نسبه يجري الدم العربي في عروقه، وهو ليس دماًعربيا عاديا بل هو من دم الأمويين الأمجاد، قال وفي بهو الفندق صورة كبيرة تمثل الملك أبا عبدالله الصغير آخر ملوك غرناطة، وهو يسلم في خضوع مفاتيح المدينة إلى إيزابيلا وفريناند وريثي الملك العربي في الأندلس، وقد نظم هذه اللفتة في جزء من السينيّة وتعليقا على تلك الصورة:

ومفاتيحها مقاليد مُلكٍ

باعها الوارِث المضيع ببَخْسِ!

خرج القومُ في كتائبَ صُمٍّ

عن حِفاظ كموكب الدّفن خُرْسِ

ركبوا بالبحار نعْشاً وكانت

تحت آبائهم هي العرشُ أمْسِ

رُبّ بانٍ لهادمٍ وجَموُعٍ

لِمُشِتٍ ومُحْسِنٍ لمُخسّ!

لقد انفعل شوقي بتلك الصورة، واسترجع ذكرى الذين بنوا وشادوا وصنعوا حضارة أندلسية عظيمة في مقابل الذين تخاذلوا وسلموا، فلا هم ثبتوا، ولا هم أبرؤوا ذمتهم بموت كريم! ولما زوج شوقي ابنه علياً حضر سعد زغلول «زعيم الأمة في مصر» ذلك الاحتفال في دار شوقي على النيل في الجيزة المشهورة بكرمة ابن هاني، وحضر مصور فالتقط صورة لسعد وشوقي معا، وعلق الاستاذ الجديلي كما روى ابن الشاعر فقال «هذه صورة الخالدين» فقال سعد زغلول مشيرا إلى شوقي: هنا الخلود.

وأنشا الجديلي المذكور قطعة من الشعر نقشت تحت الصورة، ونصها:

يا صورة قد ضمخت بالمجد

يصوغ فيها عبقي الند

كرمت في طوارفي وتلدي

تروين للدنيا معاني الخلد

من نفح شوقي وجلال سعد

وفي ديوان شوقي قطعة من ثلاثة أبيات سبقتها عبارة (كتب على صورة مهداة لصديق) وهي:

سعَتْ لك صورتي وأتاك شخصي

وسار الظّل نحْوَك والجهاتُ

لأن الرُّوح عندك وهي أصْلُ

وحيث الأصل تسعى الملحقاتُ

وهبْها صورة من غير روحٍ

أليس من القبول لها حياة؟

وعلى رغم سرعة مثل هذه القطع، وتعبيرها اللامح عن رؤية الشاعر أو عن جانب من مشاعره، أضاف شوقي إلى الإهداء فكرة الأصل والصورة، والروح والمادة، وأضاف لمحة شعرية فيها رقة وأناقة: إن قبولك صورتي يعطيها حياة وإن كانت من أوراق وأصباغ.